رمزي ميركاني
أكد الرئيس مسعود بارزاني، في تصريح له عبر منصة (إكس) بشأن سلاح قوات البيشمركة، قائلاً: “منذ مدة، وبسبب الأوضاع السياسية الخاصة التي استجدت، تتحدث بعض الأطراف عن سلاح البيشمركة، وتطرح بهذا الصدد تفسيرات خاطئة وآراءً غير صحيحة”. وأشار الرئيس بارزاني إلى أنه: “من الضروري هنا أن يتذكر الجميع بأن البيشمركة وليدة دماء وجهود ودموع شعب كوردستان”. كما شدد على أن: “سلاح البيشمركة ليس مجرد قطع حديدية أو مستودعات ذخيرة وأدوات للقتال، بل هو التاريخ والتضحية والكرامة والعقيدة؛ هو ذلك الوفاء والالتزام الذي يحمله المقاتل دائماً تجاه شعبه وأرضه ووطنه”.
ارتبط اسم “البيشمركة” في الوجدان الكوردي بمعاني التضحية المطلقة؛ فالمصطلح الذي يعني حرفياً “الفدائيين” أو “الذين يواجهون الموت”، لم يكن يوماً مجرد تسمية عسكرية عابرة، بل هو تعبير عن مسيرة قرن من النضال القومي. بدأت هذه القوات كمجموعات مقاتلة غير منظمة في أوائل القرن العشرين، ثم تحولت بفعل التراكم التاريخي والسياسي إلى القوة العسكرية الرسمية المعترف بها لإقليم كوردستان العراق، وأضحت اليوم جزءاً لا يتجزأ من منظومة الدفاع العراقية بموجب الدستور.
تنامت قوات البيشمركة بالتوازي مع اتساع الحركة القومية الكوردية، وتحديداً مع اندلاع ثورة أيلول عام 1961 بقيادة الزعيم الراحل مصطفى بارزاني، حيث كان الهدف الأسمى حينها انتزاع الحقوق القومية وتحقيق الحكم الذاتي. وطوال عقود، خاضت هذه القوات حروباً ضارية ضد الحكومات المركزية المتعاقبة في بغداد، واتبعت أسلوب حرب العصابات في الجبال الوعرة، مما أكسبها خبرة قتالية فريدة وصلابة ميدانية.
شكل عام 2003 نقطة تحول كبرى في تاريخ البيشمركة، حيث ساندت هذه القوات (التي بلغ قوامها حينذاك نحو 70 ألف مقاتل) التحالف الدولي في إسقاط النظام السابق، ولعبت دوراً محورياً في تأمين كوردستان والسيطرة على المناطق الاستراتيجية. هذا الدور الميداني تُرجم قانونياً في دستور عام 2005، حيث اعترفت المادة (121) بالبيشمركة كقوى أمن وحرس للإقليم، مما أخرجها من دائرة “المتمردين” إلى فضاء “القوات الدستورية” المسؤولة عن حماية أمن الإقليم وسيادة العراق.
يثور في الأوساط السياسية العراقية نقاش مستمر حول طبيعة البيشمركة؛ فهل هي جيش نظامي أم ميليشيا حزبية؟ من الناحية القانونية، البيشمركة قوة نظامية مسؤولة عن حماية الأراضي والمواطنين، وتنسق مع الجيش العراقي في مواجهة التهديدات، كما حدث في الحرب ضد تنظيم “داعش”. ومع ذلك، يرى مراقبون أن الانقسام البنيوي لهذه القوات يجعلها تحتفظ ببعض سمات الميليشيات من حيث التبعية القيادية.
برز دور البيشمركة كقوة إقليمية ضاربة عقب عام 2014، حين واجهت تمدد تنظيم “داعش”، وهو ما جلب لها دعماً دولياً واسعاً، لا سيما من الولايات المتحدة وألمانيا، حيث التزم التحالف الدولي بتقديم التدريب والتسليح المتطور. كما أن الدعم المالي الأمريكي المباشر لرواتب المقاتلين يهدف بالأساس إلى دفع عجلة الإصلاح وتوحيد القوات تحت قيادة مهنية بعيدة عن المحاصصة الحزبية.
تظل قضية أعداد مقاتلي البيشمركة مادة للسجال السياسي بين بغداد وأربيل؛ فبينما تشير المصادر الكوردية إلى وجود نحو 160 ألف عنصر مسجلين بيومترياً، تذهب تقديرات أخرى إلى أرقام متفاوتة ترتبط بملفات الموازنة والرواتب والمناطق المتنازع عليها المشمولة بالمادة 140 من الدستور.
إن البيشمركة اليوم ليست مجرد فصيل مسلح، بل هي مؤسسة عسكرية ذات رصيد نضالي وتاريخي ضخم. لكن استمرار هذه القوة كصمام أمان لإقليم كوردستان وللعراق عامة، يتوقف على قدرة القيادات السياسية على المضي قدماً في مشروع “التوحيد والمأسسة”. إن تحويل البيشمركة من “قوات أحزاب” إلى “حرس إقليم” نظامي يأتمر بأمر القانون والدستور، هو الضمانة الوحيدة لمنع انزلاق المنطقة نحو الفوضى، وهو السبيل لتعزيز الولاء الوطني لدى الجندي والمواطن على حد سواء.
لقد أثبتت البيشمركة شجاعتها في سواتر الشرف ضد الإرهاب، والآن حان الوقت لتثبت كفاءتها في ميادين الإصلاح الإداري والسياسي، لتبقى “السيف البتار” الذي يحمي الأرض، والمؤسسة التي تجسد تطلعات الشعب الكوردي في الأمن والحرية تحت سقف العراق الفيدرالي الديمقراطي.