المركز القانوني لقوات البيشمركة في النظام الاتحادي العراقي: مؤسسة دستورية لا فصائل خاضعة للدمج

إعداد: [هەڤال سیان]

مقدمة: في مفهوم بناء الدولة وحصر السلاح
يمر العراق بمرحلة انتقالية حاسمة نحو تكريس مفهوم “دولة المؤسسات”. ولا شك أن التوجهات الأخيرة الرامية إلى دمج بعض الفصائل المسلحة ضمن هيكلية وزارة الدفاع العراقية تمثل خطوة حضارية وقانونية بالاتجاه الصحيح؛ فهي تهدف إلى إنهاء ظاهرة السلاح خارج إطار الدولة وتوحيد القرار العسكري. إلا أن ما يثير الاستغراب في الأوساط السياسية والإعلامية هو محاولة البعض الخلط بين هذه الفصائل (التي نشأت نتيجة ظروف طارئة) وبين “قوات البيشمركة”، ومطالبة الأخيرة بالخضوع لذات آليات الدمج أو التجريد من السلاح، وهو خلط ينم عن جهل بالقانون الدستوري، وتجاهل للحقائق التاريخية والجغرافية.

أولاً: المرجعية القانونية والدستورية (شرعية المؤسسة)
إن قوات البيشمركة لا يمكن توصيفها قانوناً بأنها “فصيل” أو “ميليشيا”، بل هي مؤسسة عسكرية رسمية تابعة لإقليم كوردستان المعترف به دستورياً كإقليم اتحادي. وبالعودة إلى الدستور العراقي الدائم لعام 2005، نجد سند هذه الشرعية في مواضع عدة:

المادة (117/ أولاً): أقر الدستور صراحةً بإقليم كوردستان وسلطاته القائمة كإقليم اتحادي، وهذا يعني الاعتراف بكافة مؤسساته الإدارية والقانونية.

المادة (121/ خامساً): وهي المادة الجوهرية التي تنص على أن: “تختص حكومة الإقليم بكل ما تتطلبه إدارة الإقليم، وبوجه خاص إنشاء وتنظيم قوى الأمن الداخلي للإقليم، كالشرطة والأمن وحرس الإقليم”.

المأسسة الحكومية: تعمل البيشمركة تحت مظلة “وزارة شؤون البيشمركة” التابعة لحكومة إقليم كوردستان. لذا، فهي قوة نظامية قانونية تخضع لقوانين وتشريعات برلمان كوردستان، وتمتلك هيكلية عسكرية وميزانية وقواعد بيانات رسمية، مما يجعلها جزءاً لا يتجزأ من المنظومة الدفاعية الوطنية للجمهورية الاتحادية، ولكن بخصوصية إدارية أقرها العقد الاجتماعي (الدستور).

بناءً على ما تقدم، فإن المطالبة بدمج البيشمركة في وزارة الدفاع الاتحادية بنفس سياق دمج الفصائل هو مخالفة صريحة للنظام الفيدرالي الذي تبناه العراق، فالفصائل تبحث عن “شرعية مفقودة” عبر الدمج، بينما البيشمركة تمتلك “شرعية دستورية” ناجزة.

ثانياً: الجذور التاريخية ودور القيادة في الصمود
لا يمكن قراءة واقع البيشمركة بمعزل عن تاريخها النضالي الطويل. إنها القوة التي انبثقت من إرادة الشعب في إقليم كوردستان للدفاع عن الوجود والكرامة ضد سياسات القمع والإبادة التي مارستها الأنظمة الديكتاتورية السابقة.

وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري والتاريخي لجناب الرئيس مسعود بارزاني. فالسيد البارزاني، الذي ترعرع في خنادق النضال، لم يكن قائداً سياسياً فحسب، بل كان “البيشمركة الأول” الذي قاد هذه القوات برؤية استراتيجية حولتها من حركات مقاومة جبلية إلى جيش نظامي منضبط يمتلك عقيدة دفاعية وطنية.

لقد تجلى دور الرئيس بارزاني وشجاعة البيشمركة في أبهى صورها خلال الحرب الكونية ضد تنظيم “داعش” الإرهابي. حينما انهارت جيوش وانسحبت قوى، بقيت البيشمركة صامدة في خنادقها على طول 1000 كيلومتر، بقيادة ميدانية مباشرة من جناب الرئيس. لقد حمت البيشمركة ليس فقط أراضي إقليم كوردستان، بل كانت الدرع الصامد الذي منع تمدد الإرهاب نحو باقي مناطق العراق والعالم، وقدمت في سبيل ذلك قوافل من الشهداء والجرحى، مما أكسبها احتراماً واعترافاً دولياً كشريك أساسي في منظومة الأمن العالمي.

ثالثاً: التحليل السياسي (التكامل لا الإلغاء)
إن الدعوات التي تطلق “هنا وهناك” لمساواة البيشمركة بالفصائل المسلحة تهدف في جوهرها إلى إضعاف الكيان الدستوري لإقليم كوردستان. إن القوة العسكرية في الدول الاتحادية (مثل ألمانيا أو الولايات المتحدة) قد تتعدد مستوياتها بين اتحادي ومحلي (حرس الولاية)، وهذا لا يضعف الدولة بل يقويها.

إن بقاء البيشمركة كقوة نظامية تابعة لوزارة البيشمركة هو الضمانة الأكيدة لاستقرار الإقليم ومنع الفراغ الأمني، خاصة في المناطق المتنازع عليها. والتنسيق العالي بين البيشمركة والجيش العراقي في العمليات المشتركة هو النموذج الأمثل الذي يجب تعزيزه، بدلاً من إثارة طروحات غير واقعية تخالف الدستور وتتجاهل التضحيات التاريخية.

خاتمة:
إن قوات البيشمركة هي رمز للسيادة الإقليمية ضمن السيادة الوطنية العراقية. هي مؤسسة قانونية، ممارسة، وتاريخية. وإن أي حديث عن تنظيم السلاح يجب أن يبدأ بتمكين المؤسسات الدستورية لا بتقويضها. ستظل البيشمركة، بفضل صمودها وقيادة جناب الرئيس مسعود بارزاني، الركيزة الأساسية لحماية مكتسبات شعب إقليم كوردستان وسنداً قوياً لبناء عراق اتحادي ديمقراطي تعددي يحترم الجميع وقوانينهم.

قد يعجبك ايضا