مصطفى طارق الدليمي
يجلس “أبو علي” ذو الاثنين والأربعين عاماً الموظف في إحدى الدوائر الخدمية ببغداد في مقهى شعبي بمنطقة الكرادة في اليوم الرابع من الشهر ينظر إلى فنجان قهوته ثم يخرج هاتفه المحمول ليجري حسبةً باتت تتكرر كل ثلاثين يوماً ككابوس رياضي لا حل له إذ استلم راتبه قبل ثلاثة أيام فقط لكن المحفظة اليوم تشهد نزيفاً حاداً بين تسديد وصل المولد الأهلي الذي قفز هذا الصيف إلى أرقام فلكية وإيجار البيت في أطراف العاصمة وقائمة ديون صاحب المحل الغذائي في رأس الدربونة ليتبخر ثلثا المرتب ولا يتبقى في جيبه ما يكفي لتمشية الأسبوع الأول وتبدأ من الغد رحلة التقشف القسري والبحث عن سلفة أو تداين جديد لإكمال الشهر في مشهد لا ينتمي إلى رواية درامية خيالية انما يختزل الواقع المعاش لملايين الموظفين العراقيين الذين تحولوا بفعل التضخم وغياب السياسات الاقتصادية إلى مجرد عابري سبيل يمر الراتب بأيديهم لعدة ساعات ثم يختفي سريعاً
إن المعضلة الأساسية في البنية الاقتصادية العراقية اليوم لا تكمن في قلة الموارد بل في الفجوة الهائلة بين القوة الشرائية للعملة المحلية وكلفة المعيشة المتصاعدة حيث تحول الموظف من عماد للطبقة الوسطى إلى فئة تكافح للبقاء فوق خط الفقر الفعلّي ويدفع ضريبة مزدوجة تفرضها عليه ديكتاتورية الخدمات الموازية فهو لا يستفيد من الخدمات العامة بالمجان انما يضطر لشراء الماء ودفع اشتراك المولد والاعتماد على الطبابة الخاصة والتدريس الأهلي بسبب تراجع جودة القطاع العام ويتزامن ذلك مع تآكل القيمة الفعلية للمرتبات الاسمية التي بقيت جامدة مقابل أسعار سلع وإيجارات تضاعفت بفعل تقلبات أسواق الصرف لتترسخ في المجتمع سيكولوجية العيش على الديَن ويتحول الدفتر الصغير لدى البقال أو الصيدلاني إلى مؤسسة تمويل بديلة يدور في فلكها الموظف في حلقة مفرغة، يستلم الراتب ليسدد ديون الشهر الماضي ثم يستدين ليعيش الشهر الحالي
يتجاوز هذا العجز الاقتصادي أبعاده الرقمية ليضرب عميقاً في البيئة النفسية والاجتماعية للمجتمع العراقي فعندما يدرك رب الأسرة أن جهده الشهري لا يؤمن له سوى أسبوع واحد من الأمان الغذائي والخدمي يتحول القلق الوجودي واليومي إلى حالة من الاحتقان الاجتماعي تفرز ظواهر جانبية خطيرة منها الاضطرار إلى البحث عن عمل ثانٍ كقيادة سيارات الأجرة أو العمل في الأجور اليومية بعد الدوام الرسمي مما يستنزف طاقة الموظف الإبداعية والإنتاجية داخل دائرته الحكومية وينعكس سلباً على تماسك الأسرة وتربية الأبناء نتيجة الإنهاك البدني والنفسي المستمر، والاضطرار الدائم لمواجهة متطلبات الحياة بجيوب فارغة وأذهان مثقلة بالديون والالتزامات المستمرة
إن استمرار هذا الوضع على هذا النحو يعد مساساً متواصلاً بكرامة الموظف وهيبة الدولة نفسها
والحلول لا يمكن أن تبقى تجميلية أو ترقيعية انما تتطلب رؤية اقتصادية شاملة ترتكز أولاً على إعادة هيكلة الرواتب عبر سلم عادل يقلل الفوارق الطبقية الهائلة بين رواتب الرئاسات والدرجات الخاصة من جهة وصغار الموظفين من جهة أخرى لضمان حد أدنى يحمي كرامة العائلة العراقية وتفعيل قوانين صارمة لكبح جماح الإيجارات والأسواق والسيطرة على أسعار العقارات التي تلتهم أكثر من نصف دخل المواطن في مراكز المدن إلى جانب دعم السلة الغذائية فإذا عجزت الدولة عن زيادة الرواتب نقدياً فإن توفير بطاقة تموينية حقيقية بجودة عالية وشبكة كهرباء وطنية مستقرة وصحة مجانية سيوفر تلقائياً على الموظف أكثر من نصف مصاريفه الإجبارية
إن الموظف الذي لا يكفيه راتبه لأسبوع واحد لا يطالب بالرفاهية انما يبحث عن الحد الأدنى من الاستقرار والأمان المعيشي فالدول لا تُقاس قوتها بحجم احتياطياتها النقدية فحسب وإنما بقدرتها على توفير الطمأنينة لمواطنيها حين يواجهون متطلبات الحياة اليومية وعندما يجد الموظف نفسه في منتصف الشهر عاجزاً عن تلبية احتياجات أسرته فإن الخلل لا يكمن في جيبه وحده بل في المعادلة الاقتصادية برمتها وبدون حلول حقيقية سيبقى الموظف عالقاً في دوامة الديون والالتزامات يكافح يومياً من دون أن يبلغ شاطئ الأمان المعيشي.