المرأة والدبلوماسية الخضراء وشراكةٌ لصناعة مستقبل التنمية

الدكتورة نادية الجدوع
خبير ستراتيجي

لم تعد التنمية المستدامة في عالم اليوم خياراً سياسياً أو اقتصادياً، بل أصبحت ضرورةً استراتيجية تفرضها التحولات المناخية، والتحديات البيئية، والتنافس العالمي على الموارد والتكنولوجيا والاستثمار. وفي قلب هذه التحولات برزت الدبلوماسية الخضراء باعتبارها أحد أهم أدوات بناء الشراكات الدولية، وجذب الاستثمارات النوعية، وتعزيز الاقتصاد الأخضر، وتحقيق الأمن البيئي والغذائي والاقتصادي للدول.

إن المرأة تمثل اليوم محوراً أساسياً في هذه الدبلوماسية الجديدة، ليس بوصفها شريكاً في الحوار الدولي فحسب، بل باعتبارها قوة قيادية قادرة على صناعة المبادرات، وقيادة التحول نحو اقتصاد مستدام، وترسيخ ثقافة الابتكار والإنتاج والمسؤولية البيئية. فتمكين المرأة في مجالات البيئة والطاقة والاقتصاد والتكنولوجيا هو استثمار مباشر في مستقبل الأوطان.

لقد أثبتت التجارب الدولية أن الدول التي نجحت في دمج المرأة في سياسات التنمية والاستدامة استطاعت أن تحقق تقدماً ملموساً في الابتكار، ورفع الإنتاجية، واستقطاب الاستثمارات، وبناء مدن ذكية واقتصادات أكثر مرونة. ومن هنا فإن العراق يمتلك فرصة تاريخية ليجعل من المرأة شريكاً رئيسياً في قيادة مشاريع التنمية الكبرى، مستفيداً من ثرواته الطبيعية وموقعه الجغرافي وإمكاناته البشرية.

إن الدبلوماسية الخضراء ليست مؤتمرات أو بيانات سياسية، بل هي رؤية وطنية متكاملة تقوم على إقامة شراكات استراتيجية مع الدول والمؤسسات الدولية لإنشاء مشاريع عملاقة في الطاقة المتجددة، والصناعات الخضراء، وإدارة المياه، والزراعة الذكية، وإعادة التدوير، والمدن المستدامة، والنقل النظيف، والاقتصاد الدائري. وهذه المشاريع قادرة على خلق آلاف فرص العمل، وتنويع مصادر الدخل الوطني، وتعزيز الأمن الاقتصادي والبيئي في آن واحد.

وفي هذا الإطار، فإن المرأة العراقية تمتلك المؤهلات العلمية والقيادية للمشاركة في تصميم هذه المشاريع وإدارتها، وقيادة فرق الابتكار، والمساهمة في إعداد السياسات والاستراتيجيات الوطنية، بما يجعلها شريكاً حقيقياً في بناء الاقتصاد الأخضر، لا مجرد مستفيدة من نتائجه.

كما أن المرحلة المقبلة تتطلب إطلاق برامج وطنية لتمكين القيادات النسوية في مجالات التكنولوجيا البيئية، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الأخضر، وريادة الأعمال، وربط الجامعات ومراكز البحوث بالقطاعين العام والخاص، بما يسهم في تحويل الأفكار إلى مشاريع إنتاجية قادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً.

إن مستقبل العراق لن يُبنى بالاعتماد على الموارد التقليدية وحدها، بل من خلال الاستثمار في المعرفة والابتكار، وإقامة شراكات دولية فاعلة تنقل الخبرات والتقنيات الحديثة، وتدعم إنشاء مناطق اقتصادية خضراء، ومجمعات صناعية صديقة للبيئة، ومراكز وطنية للبحث والتطوير، تكون المرأة فيها شريكاً أساسياً في التخطيط والتنفيذ والقيادة.

إن بناء نهضة اقتصادية حقيقية يتطلب رؤية وطنية تجعل من الدبلوماسية الخضراء جسراً للتعاون الدولي، ومن المرأة قوةً منتجةً ومبتكرةً، ومن التنمية المستدامة مشروعاً وطنياً تتكامل فيه جهود الدولة والقطاع الخاص والجامعات والمجتمع المدني، لتحقيق اقتصاد قوي، وبيئة آمنة، وفرص عمل مستدامة، ومكانة دولية تليق بالعراق.

إن المرأة والدبلوماسية الخضراء ليستا شعاراً تنموياً، بل مشروعاً وطنياً لبناء دولة حديثة، قوامها الاستثمار، والإنتاج، والابتكار، والشراكات الدولية، والقيادات النسوية القادرة على تحويل التحديات إلى فرص، وصناعة مستقبل تنموي مزدهر للأجيال القادمة.

قد يعجبك ايضا