بين العراق ودول العالم… عندما يُكرَّم العلم هناك وتُكافأ الولاءات هنا

عرفان الداوودي

الدول المتقدمة لم تصل إلى ما هي عليه اليوم بالصدفة، ولم تبنِ نهضتها بالشعارات أو الألقاب الرنانة، وإنما بنتها بالعلم والعقول والكفاءات. ففي تلك الدول، يتصدر المشهد العالم، والأستاذ الجامعي، والبروفيسور، والخبير، والمخترع، والباحث، والمهندس، والطبيب، والمثقف، والمفكر. هؤلاء هم من يضعون الخطط، ويرسمون السياسات، ويقودون التنمية، لأن معيار التقدم هو الكفاءة والإنجاز.

أما في العراق، فالمشهد في كثير من الأحيان يبدو مختلفاً ومؤلماً. فبدلاً من أن يكون اللقب الأعلى هو “عالم” أو “خبير”، أصبحت الألقاب التي تتردد أكثر هي: الزعيم، والقائد، وصاحب الهيبة، والمنقذ، والشيخ، والأوحد، وكأن الألقاب أصبحت بديلاً عن الإنجاز.

إن أخطر ما أصاب الدولة هو إضعاف مبدأ تكافؤ الفرص، عندما أصبحت بعض المناصب تُمنح على أساس الولاءات أو المحسوبيات، بدلاً من الخبرة والمؤهلات. فهناك من يملك شهادات عليا، وخبرة طويلة، وسيرة علمية مشرفة، لكنه يُهمَّش أو يُستبعد، بينما يتولى آخرون مناصب كبيرة رغم افتقارهم إلى المؤهلات المطلوبة أو اعتمادهم على شهادات مزورة، وهو أمر يستوجب تطبيق القانون بحزم متى ثبت بالأدلة والأحكام القضائية.

لقد أصبح كثير من العلماء والمفكرين والخبراء يعيشون على هامش القرار، في حين تتصدر الواجهة شخصيات لا تمتلك الخبرة الكافية لإدارة مؤسسات الدولة. والنتيجة واضحة: تراجع في الخدمات، وضعف في الإدارة، وتفشي الفساد، وهدر للمال العام، وتعثر في التنمية.

الدول التي احترمت علماءها أصبحت تصنع الأقمار الصناعية، وتبتكر الأدوية، وتقود الاقتصاد العالمي، وتجذب العقول من كل مكان. أما الدول التي همشت الكفاءات وقدمت الولاءات على الكفاءة، فإنها تدفع ثمناً باهظاً من مستقبلها واستقرارها.

إن بناء العراق لا يحتاج إلى المزيد من الشعارات، بل إلى إعادة الاعتبار للعلم، واحترام أصحاب الاختصاص، وتطبيق مبدأ “الرجل المناسب في المكان المناسب”، بعيداً عن المحاصصة والوساطات والنفوذ السياسي.

العراق لن ينهض بالألقاب… بل ينهض بالعقول. ولن تبني الأوطان كثرة الزعماء، وإنما يبنيها العلماء، والمفكرون، والخبراء، وأصحاب الكفاءة والنزاهة.

قد يعجبك ايضا