هيام حاجي احمد- باحثة سياسية في شؤون العراق و كوردستان و متخصصة في التاريخ الحديث و المعاصر
إن المساس بسلاح البيشمركة ومحاولة تذويبه لا يمثل مجرد إجراء إداري، بل هو في عمقه السياسي عملية “تجريد استراتيجي” وتصفية لأهم ركائز الأمن القومي للأمة، وهي خطوة تتقاطع بدقة مع الأجندات الدولية والإقليمية التي هندسها صناع القرار في الغرب، فالأمر يعيد إلى الأذهان ما طرحه الملياردير والمستشار السياسي الأمريكي ” توم باراك” في لقاء تاريخي بارز على ” قناة الشرق” (تحديداً في المقابلة الموسعة التي عُرضت في سبتمبر 2021) حين توجّه برؤيته لملفات المنطقة، حيث صرّح بوضوح بأن “فكرة الفدرالية واللامركزية في الشرق الأوسط هي مشاريع فاشلة ولا تخدم استقرار المنطقة، وأن الحل يكمن في حكومات مركزية قوية ومؤسسات موحدة”، وهي العبارة التي شكلت ضوءاً أخضر لتفكيك الخصوصيات العسكرية للأقاليم، والتمهيد لتصفية عناصر القوة الذاتية تحت مسميات التوحيد والدمج.
وتتجلى خطورة هذا التوجه الدولي في كيفية تعاطي الصحافة العالمية والتقارير الغربية مع هذا الملف الحساس، إذ تطالعنا صحف مثل” The Washington Post” “The New York Times”، بالتناغم مع تقارير وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون”، بطروحات تختزل القضية في قوالب جافة ومصطلحات فضفاضة مثل “إعادة الهيكلة والتنظيم”، و”إضفاء الطابع المهني والمؤسساتي”، “مُشترِطَةً” تقديم المساعدات بمدى التقدم في دمج قوات السبعين والثمانين تحت مظلة الوزارة. إن هذه التغطية الغربية تتعمد إسقاط البعد النضالي والقومي للشعب الكردي وتتجاهل تاريخاً عُمّد بالدم والتضحيات, لتصوير الأمر كعملية تحديث إدارية بحتة، بينما يرى الوجدان القومي والبيشمركة القدامى أن هذا “الدمج” المزعوم ما هو إلا غطاء دبلوماسي لعملية “حل وتفكيك تدريجي” تهدف لتجريد السلاح من عقيدته الكفاحية وتذويبه كلياً في منظومة اتحادية مركزية عابرة للخصوصية الفدرالية.
هذا التناغم بين الضغوط الخارجية ومشاريع التفكيك الغربية وجد بيئة داخلية هشّة لتمريره، تمثلت في صعود “النخبة السياسية الطارئة” التي تولت زمام السلطة وإدارة المشهد العام في الآونة الأخيرة؛ وهي فئة تفتقر تماماً للحس الرمزي والتاريخي لسلاح البيشمركة، اذا لاان اغلبيتهم قضوا حياتهم خارج كوردستان.فمثلاً، هناك فرق شَاسِعٌ بين من عانى ويل الأنفال وعاش مأساة الإبادة وشهد الدمار بلحمه ودمه، وبين من سمع عنها كحكاية تاريخية في الصالونات السياسية أو ترعرع خلف الحدود.
إن هؤلاء الذين اعتلوا كراسي الحكم وجدوا أمامهم سلطة جاهزة، فتحولت مفاهيم كـ “التحرير والتضحية” لديهم إلى شعارات مستهلكة، وبفعل هذه العقلية النفعية تحول السلاح من صمام أمان للأمة إلى “امتياز وظيفي” يخدم حسابات الربح والمصلحة، مما جعل القوى الحاكمة أسيرة لمؤامراتها الاقليمية و حتى الدولية لإضعاف الخصوم، بالتوازي مع بزوغ معارضة داخلية مصلحية مستعدة للتنازل عن الثوابت للحفاظ على شبكاتها النفعية مع كل تغيير في بورصة الرياح السياسية، لتقدم المعارضة هذا التفكك والافتقار إلى وحدة الصف للإدارة الأمريكية على طبق من ذهب لتستغله كأداة ضغط قصوى لإخضاع الإقليم.
لذلك، الطريق صعب يا سيادة الرئيس مسعود بارزاني، ووحدك من يملك شرعية الرد، فأنت ومن كان معك يناضل ويعرف جيداً معنى، وثقل، وتاريخ هذا السلاح.. ليكن الله في عونك على هذه المسؤولية التاريخية لحماية كرامة و شرف الأمة وصون بقائها.