د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
الحلقة الأولى
كنا نأمل أن يقف الواعون من المؤرخين العرب والمثقفين الوطنيين في وجه تلك الشريحة العنصرية من المستعربين، التي ما زالت تعتاش على بقايا فساد الأنظمة البائدة وحقدها، وتعيد إنتاج كراهيتها لشعوب المنطقة، وفي مقدمتها الشعب الكوردي. فهذه الشريحة لم تولد من فراغ، بل خرجت من رحم أنظمة لم تكتفِ بتدمير السياسة والاقتصاد، بل خرّبت الثقافة، ولوّثت الذاكرة، وعبثت بتاريخ المنطقة، وبخاصة تاريخ الكورد وكوردستان، حتى جعلت من الجهل أداة حكم، ومن التزوير وسيلة للدفاع عن خرائط مصطنعة قامت على إنكار الشعوب، واحتلال أوطانها، وتمزيق كوردستان بين دولٍ صُنعت على حساب حقيقتها التاريخية والجغرافية.
لقد خلّفت تلك الأنظمة وراءها كوارث ثقافية لا تقل فتكًا عن كوارثها السياسية؛ إذ لم تكتفِ بتمزيق المجتمعات وإفقار الشعوب، بل عمّقت الشرخ بين الشعبين الكوردي والعربي، ومدّت سمومها إلى شعوب المنطقة كلها. ومن هذا الركام خرج مستعربون مأزومون، لا يملكون من التاريخ سوى حقدٍ موروث، ولا من المعرفة سوى شظايا خطابٍ سلطوي قديم، يحاولون اليوم تسويقه باسم البحث والهوية.
وما نعنيه هنا ليس العرب كشعب، ولا الثقافة العربية في معناها الإنساني، بل تلك الشريحة المأزومة التي لا تستطيع أن تعيش إلا بالعبث بكل جوانب الحياة؛ من السياسة الملوثة إلى تشويه التاريخ، ومن إنكار حقوق الشعوب، وفي مقدمتهم حقوق الشعب الكوردي، إلى توسيع مساحات الكراهية بين المكونات. هؤلاء لا يبحثون عن الحقيقة، بل عن حطام سرديات يرممون بها أوهامًا قومية مريضة، ورثوها عن سلطات الاستبداد والحزب الواحد والخرائط المفروضة بالقوة.
لقد كنا نفضّل الصمت أحيانًا، لا عجزًا عن الرد، بل حرصًا على ألّا ننزلق إلى المستنقع الأخلاقي ذاته. غير أن ديمومة الصمت، ومعها الإحساس بأن هناك من يتساهل أو يتعاطف مع هذه الأفكار الموبوءة، تفرض علينا الرد. لا لنقابل الحقد بحقد، ولا العنصرية بعنصرية، بل لنحمي الحقيقة من التشويه، والذاكرة من المصادرة، والثقافة الكوردية من أن تتلوث بتلك التشوهات الفكرية التي تحاول جرّ الجميع إلى مستواها.
وكلما عجز هؤلاء عن تمرير مخططهم في نفي الوجود الكوردي أو تشويه تاريخه، لجؤوا إلى فتح أبواب جانبية وابتكار أساليب جديدة، ظاهرها النقاش وباطنها الغاية ذاتها. فتارة يزعمون أنهم لا يقصدون الشعب الكوردي، بل “طرفًا” من حراكه السياسي، وتارة يوجّهون سهامهم إلى مؤرخ كوردي بعينه، كما يفعل بعض الضحلين، أمثال د. محمد بهجت القبيسي، حين يصوّر العلّامة محمد أمين زكي وكأنه هو الذي خلق التاريخ الكوردي واخترع صلته بالحضارات القديمة، وكأن أحدًا قبله لم يكتب عن الروابط الإثنية واللغوية والحضارية والجغرافية بين الكورد الحاليين والميديين والساسانيين والحوريين والميتانيين، وكأن الشعب الكوردي هبط فجأة على هذه الجغرافية بلا جذور ولا ذاكرة ولا امتداد.
وهنا تكمن الخدعة؛ فهم لا يناقشون العلامة محمد أمين زكي بوصفه مؤرخًا يمكن الاتفاق معه أو الاختلاف حول بعض قراءاته، بل يستخدمونه ذريعة لنفي التاريخ الكوردي كله. يريدون إقناع القارئ بأن التاريخ الكوردي بدأ مع مؤرخ حديث، لا مع الجغرافيا، ولا مع اللغة، ولا مع الشواهد القديمة، ولا مع تراكم الشعوب التي سكنت جبال زاغروس وميزوبوتاميا العليا والأناضول الشرقي. لذلك فإن تبدّل أدواتهم لا يعني تبدّل غاياتهم؛ فالهدف واحد دائمًا: ضرب الوعي الكوردي، وإفراغ كوردستان من ذاكرتها، وتحويل التاريخ إلى ساحة إنكارٍ جديدة.
غايتنا، في النهاية، ليست فتح حرب بين الشعوب، بل إيقاف العبث بالتاريخ. وليست معركتنا مع العرب الواعين، بل مع أولئك الذين يريدون تحويل التاريخ إلى ساحة إنكار، والجغرافيا إلى كذبة قومية، والاختلاف بين الشعوب إلى وقود دائم للكراهية.
ومع ذلك، فإن تاريخ الشعب الكوردي، ولغته، وحقيقة وجوده على جغرافيته التاريخية، لم تتأثر جوهريًا بكل هذه المحاولات العنصرية، ولا بالمخططات والمؤامرات التي استهدفته طوال القرن الماضي بصورة ممنهجة. فكل هذا الضجيج لم يستطع أن يقتلع حقيقة راسخة: أن الشعب الكوردي من أقدم شعوب هذه الأرض، وأن لغته تنتمي إلى إحدى أعرق العائلات اللغوية في العالم، وأن حضوره في جغرافية الشرق الأوسط ليس طارئًا ولا عابرًا، بل هو امتداد عميق في التاريخ والذاكرة والمكان.
يتبع…