نوري جاسم
في بعض الأيام، يبدو العالم كأنّه آلةٌ ضخمة تدور بلا توقف، أصواتٌ تتصاعد، أخبارٌ تتلاحق، صراعاتٌ تتناسل من صراعات، ووجوهٌ تركض خلف وجوه، حتى يخيل للمرء أن الأرض نفسها قد أصابها الإرهاق من كثرة ما تحمل فوق ظهرها. لو كانت الأرض تتكلم، ماذا كانت ستقول لنا؟ ربما كانت ستسأل: لماذا كل هذا الضجيج وأنتم راحلون؟ لماذا تتخاصمون على ما سيتركه الجميع خلفهم؟ لماذا تبنون الجدران أسرع مما تبنون الجسور؟
وإن أعظم مأساة الإنسان المعاصر ليست الفقر ولا المرض ولا الحروب وحدها، بل فقدانه القدرة على الإصغاء. لقد أصبح يسمع كل شيء إلا صوته الداخلي، ويرى كل شيء إلا حقيقة نفسه. وفي الماضي كان الإنسان يجلس تحت شجرة ليتأمل، أما اليوم فهو يجلس أمام شاشة ليتشتت. كان يبحث عن الحكمة في صمت الليل، أما الآن فيبحث عن التسلية في ازدحام اللحظات.
ومع ذلك، لا تزال الأرض تمنحنا دروسها المجانية كل صباح. فالشجرة لا ترفع صوتها لتثبت وجودها، لكنها تمنح الظل والثمر. والنهر لا يكتب بياناتٍ سياسية، لكنه يصل إلى البحر بصبره المتواصل. والشمس لا تنتظر تصفيقًا من أحد، لكنها تشرق كل يوم وكأنها تؤدي رسالة مقدسة.
ربما يحتاج الإنسان إلى أن يتعلم من هذه الكائنات الصامتة أكثر مما يتعلم من ضجيج المدن. وإن الحضارة الحقيقية ليست في ارتفاع الأبراج، بل في ارتفاع القيم. وليست في سرعة الإنترنت، بل في سرعة الرحمة بين الناس. وليست في عدد ما نملك، بل في مقدار ما نعطي.
وحين تتعب الأرض من ضجيج البشر، فإنها لا تطلب منهم المستحيل؛ إنها تطلب فقط أن يعودوا إلى إنسانيتهم، أن يتذكروا أن الحب أقوى من الكراهية، وأن البناء أبقى من الهدم، وأن الكلمة الطيبة قد تعمر قلبًا كما تعمر المعاول مدينة. فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من الصراخ، بل إلى مزيد من النور. والنور يبدأ من قلب إنسان. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما .