فينوس بابان
حين يكتب التاريخ ملاحم الشعوب، لا يقيس عمرها بالسنوات بل بتلك اللحظات الحرجة التي تقاطعت فيها نية الإبادة مع إرادة الانبعاث، وفي السادس والعشرين من أيار لم يكن الكورد يشعلون شرارة ثورة عسكرية فحسب، بل كانوا يعلنون للعالم ولادة عقيدة سياسية وفكرية عابرة للأجيال تثبت أن الشعوب الحية لا تموت بجرّة قلم في صالونات المؤامرات الدولية. ومن هنا تجلت ثورة گولان كمنعطف تاريخي وحتمي أعاد هندسة الوجود الجيوسياسي الكوردي، فقد انطلقت الثورة بقيادة المخطط الاستراتيجي الشهيد إدريس بارزاني والرئيس مسعود بارزاني مستندةً إلى الإرث والنفوذ الروحي والنضالي للأب الخالد ملا مصطفى بارزاني لتكسر النمطية التي فرضتها معادلات القوة الإقليمية، وجاء هذا الانبعاث في لحظة حرجة ظنت فيها القوى الإقليمية والدولية أن القضية الكوردستانية قد جرى تصفيتها نهائياً تحت ركام التواطؤ الذي كرسته اتفاقية الجزائر المشؤومة عام 1975. غير أن الإرادة السياسية حولت هذه النكسة التكتيكية والصدمة النفسية إلى وقود لأكبر حراك تنظيمي وعقائدي عابر للحدود. حيث تلاحمت القواعد الجماهيرية أحبطت مخططات التهجير والتعريب والتعسف الديكتاتوري، ممهدةً عبر مسيرة من التضحيات الجسام نحو انتفاضة آذار المجيدة عام 1991 والتي قطف الكورد ثمرتها السياسية ببناء كيانهم الدستوري الحالي المعترف به دولياً.
وفي يوبيلها الذهبي يطل الرئيس مسعود بارزاني بكلمته السياسية والتاريخية المكثفة ليضع إصبع العلوم السياسية على الشفرة الوراثية لهذا الصمود معلناً بوضوح استراتيجي يهز القناعات السائدة أن ثورة گولان كانت مرحلة مهمة وحاسمة في نضال شعب كوردستان نافياً عنها صفة العفوية أو الانقطاع التاريخي بل يؤكد سيادته أنها امتداد وحاملة لرسالة وأهداف ثورة أيلول العظيمة، وهذا الربط يمثل ذروة العبقرية الدبلوماسية والسياسية، حيث يحول الثورة من حركة تحررية في الجبال إلى مشروع قومي متصل الحلقات يمتلك الشرعية الفكرية والتاريخية التي لا تزعزعها التحولات الجيوسياسية الإقليمية مجدداً تعريف مفهوم القوة والهزيمة في العلاقات الدولية برسالة صارمة لكل القوى التي تحاول محاصرة الكورد ومؤكداً أن ثورة گولان أثبتت للجميع أنه حتى وإن توقف نضال شعب كوردستان في مرحلة ما لفترة قصيرة تكتيكياً فإن إرادة شعب كوردستان لم ولن تنكسر قط لتتحول فلسفة العناد السيادي المستدام من مبدأ نضالي قديم إلى عقيدة حية للنهوض الدائم بأمل وقوة متجددة لإكمال مسيرة ككسر المستحيل.
ولكي يمنح الرئيس مسعود بارزاني جيل الحاضر والمستقبل دليلاً عملياً لحماية كوردستان اليوم فإنه يفكك معادلة نصر ثورة گولان ويربطها بمستقبل الحوكمة والاستقرار مشيراً إلى أن الثورة انتصرت لأنها استندت إلى بطولة البيشمركة وصمود الجماهير والتنظيم القوي والشعارات والأهداف الواضحة، وفي هذا الطرح نقلة استراتيجية كبرى تزلزل مفاهيم الحرب الحديثة فهذا المثلث الذي صنع النصر في الجبل بالأمس هو ذاته ثالوث البقاء الذي يحتاجه إقليم كوردستان اليوم في مواجهة الحروب الإدراكية والنفسية والضغوط الاقتصادية، حيث تتحول بطولة البيشمركة إلى عقيدة أمنية ودفاعية لحماية الحدود من الإرهاب الإقليمي والعابر للحدود ويتجلى صمود الجماهير في الوعي المجتمعي العصي على الاختراق بينما يترجم التنظيم القوي والأهداف الواضحة في مشاريع الرقمية والتحديث والمأسسة وحماية البنية التحتية وبناء الدولة الحديثة مؤكداً سيادته بأعلى درجات الوفاء والدقة الدستورية أن الحرية والمكتسبات الأخرى لشعبنا هي ثمرة دماء الشهداء مستذكراً برمزية عالية تضحيات الشهيد الأول للثورة سيد عبد الله حاجي أومەرانی ليعلن للعالم بصوت واثق أن هذا الكيان الدستوري ليس منحة مجانية أو هبة من توازنات قوى مؤقتة بل هو استحقاق عُمّد بالدم لا يمكن التفريط به أو المساومة عليه.
تأسيسًا على هذه القراءة الفكرية تتجاوز الكلمة التاريخية للرئيس مسعود بارزاني في اليوبيل الذهبي لثورة گولان حدود الخطاب الاحتفالي لتشكل مانيفستو وجودي ووثيقة توجيه استراتيجي عابر للقارات، لقد أعاد سيادته صياغة وتفكيك العلاقة البنيوية بين الداخل والخارج واضعاً الجاليات الكوردستانية في المغترب والشتات أمام مسؤولياتها التاريخية، فلم يعد يُنظر إليهم ككتل ديمغرافية تراقب المشهد من بعيد بل كـ عمق جيوسياسي وامتداد فكري ولوبي دبلوماسي ضاغط في عواصم صناعة القرار العالمي وميادين الاقتصاد الدول، إن هذه الرؤية تؤصل لمعادلة أمنية وقومية متبادلة: حيث تمثل قوة أربيل واستقرارها المؤسساتي الحصن الروحي والدرع السيادي للكورد في كل مكان وبالمقابل فإن النفوذ العلمي والسياسي للمغتربين يشكل القوة الناعمة الساحقة التي تفرض عدالة القضية الكوردية كركيزة أساسية للأمن والاستقرار الدولي.
وختاماً يقدّم إرث گولان المدمج بالرؤية السياسية للقيادة بوصلة استراتيجية للمستقبل تؤكد بالأدلة التاريخية والجيوسياسية على مدار نصف قرن أن الجغرافية الدستورية التي عُمّدت بدماء البيشمركة قد تجاوزت مرحلة التهديد الوجودي وباتت عصية على التهميش أو الاحتواء، فإرادة كوردستان المحصنة بوعيها القومي العابر للحدود قد أسقطت أوهام الطغاة لتتحول من كفاح من أجل البقاء إلى رقم استراتيجي صعب وثابت في معادلات الشرق الأوسط، صلب كالجبال وعصي على الانكسار أبد الدهر.