سوريا.. مطالب بمساءلة الإعلامي جميل الحسن والتحقيق في خطاب التهديد والتحريض ضد الكورد

خوشناف سليمان

هل يتحدث جميل الحسن باسمه الشخصي أم باسم الحكومة السورية؟ لم يعد من المقبول أن تمرّ التصريحات التي تحمل تهديدًا أو تحريضًا أو خطابًا إقصائيًا تجاه أي مكوّن سوري و لا سيما عندما يصدر الخطاب عن شخص يظهر في الفضاء العام بوصفه إعلاميًا قريبًا من دوائر القرار. وتظهر له مواد منشورة تتضمن تواصلًا مباشرًا مع الرئيس أحمد الشرع.

ومن هنا. فإن القضية التي أثارها خطاب الإعلامي جميل الحسن لا تتعلق بشخصه وحده. وإنما تتعلق بالسؤال الأهم. هل كان جميل الحسن يتحدث بصفته الشخصية. أم كان يعبر عن موقف جهة حكومية؟ هذا السؤال يجب أن تجيب عنه الحكومة السورية بوضوح. لأن المواطن السوري من حقه أن يعرف من يتحدث باسم الدولة. ومن يملك حق إصدار المواقف والتهديدات والتعليقات التي يمكن أن تزيد الاحتقان بين مكونات المجتمع.

لا يمكن بناء الدولة بخطاب التهديد

إن مهمة الدولة. في أي مجتمع يحاول الخروج من سنوات الحرب والانقسام. هي تهدئة الشارع. وحماية المواطنين. ومنع التحريض. ومحاسبة من يخالف القانون. أما أن يظهر إعلامي بخطاب يتضمن بحسب ما يظهر في التسجيلات المتداولة عبارات تهديدية ومهينة تجاه الكورد فإن الأمر يستحق التحقيق والمساءلة لا التجاهل. وقد نشرت مواد حديثة تصف تصريحات منسوبة إلى جميل الحسن بأنها تضمنت عبارات مهينة وتهديدية بحق الكورد و هو ما يجعل نشر التسجيل كاملًا والتحقق من سياقه ومضمونه أمرًا ضروريًا قبل إصدار أي حكم نهائي.

نحن لا نطالب بإسكات جميل الحسن. بل نطالب بأن يُسمع كلامه كاملًا. وأن يخضع للمساءلة نفسها التي يخضع لها أي مواطن. إذا كان كلامه رأيًا شخصيًا. فلتعلن الحكومة ذلك بوضوح. وإذا كان يتحدث باسم الدولة أو بغطاء رسمي. فالمسؤولية تصبح أكبر. ويصبح من حق السوريين أن يسألوا.. من فوّضه؟ وبأي صفة تحدث؟ وهل تعكس تصريحاته موقف الحكومة السورية؟

عرض الفيديو أمام الرأي العام السوري والدولي

نطالب أيضًا بعرض الفيديو كاملًا أمام الرأي العام السوري والدولي. وإتاحته للصحافة والمنظمات الحقوقية والجهات الدولية المختصة. بعيدًا عن الاجتزاء أو الاقتباس الانتقائي. فإذا كان الفيديو لا يتضمن تهديدًا أو تحريضًا. فليظهر ذلك للجميع. وإذا كان يتضمن بالفعل خطابًا يستهدف مكوّنًا سوريًا أو يحرض عليه أو يهدده. فعلى الجهات المختصة أن تتحمل مسؤوليتها القانونية والأخلاقية.

الحقيقة لا تخاف من نشر التسجيل كاملًا. من يمثل الدولة؟ السؤال هنا يتجاوز جميل الحسن نفسه. هل لدى الحكومة السورية مؤسسة إعلامية رسمية؟ هل لديها ناطقون رسميون؟ هل لديها وزراء ومسؤولون مكلفون بإدارة الأزمات والتحدث باسم الدولة؟ إذا كانت الإجابة نعم. فلماذا يُترك المجال لأشخاص آخرين للظهور بخطابات حادة يمكن أن تُفهم على أنها مواقف رسمية؟

الدولة لا يمكن أن تعمل بمنطق .. (كل من اقترب من دوائر القرار أصبح مخولًا بالحديث باسمها). القرب من المسؤولين لا يمنح أحدًا صفة رسمية. كما أن الظهور الإعلامي أو التواصل مع الرئيس لا يعني تلقائيًا أن الشخص يمثل الحكومة. ولهذا تحديدًا نطالب الحكومة بأن توضح الصفة الرسمية للإعلامي جميل الحسن. وحدود تفويضه. وموقفها من التصريحات التي صدرت عنه. إذا كانت الدولة تحمي الكورد. فعليها أن تثبت ذلك بالأفعال

هذه المسألة تصبح أكثر حساسية في ظل وجود موقف رسمي معلن يؤكد أن الكرد جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري. وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء من الهوية الوطنية السورية. وعليه، فإن أي خطاب رسمي أو شبه رسمي يحمل تهديدًا أو إقصاءً للكورد يتطلب توضيحًا فوريًا.

لا يمكن للدولة أن تقول للكورد أنتم جزء أصيل من سوريا ثم تسمح في الوقت نفسه بظهور خطاب يهدد وجودهم أو يختزلهم جميعًا في خلاف سياسي أو عسكري مع جهة معينة. الخلاف مع قسد. أو مع أي حزب أو تنظيم. يجب أن يبقى خلافًا سياسيًا أو عسكريًا محددًا، ولا يجوز تحويله إلى مبرر لاستهداف الكرد كمجموعة قومية.

فالكرد ليسوا قسد. كما أن العرب ليسوا حكومة ولا يجوز تحميل أي مكوّن اجتماعي كامل مسؤولية مواقف تنظيم أو حزب أو فصيل.

سري كانيه وغيرها ليست ساحات للانتقام

وفي هذا السياق. فإن الأحداث التي رافقت عودة بعض المهجرين إلى مناطقهم. ومنها ما جرى تداوله بشأن الاعتداء على عائدين إلى سري كانيه وتحطيم مركبات ونهب ممتلكات وإجبار أشخاص على مغادرة المنطقة مجددًا. تستحق تحقيقًا مستقلًا وشفافًا. نحن لا نريد إصدار أحكام مسبقة على المسؤولين عن تلك الأحداث. بل نريد شيئًا أبسط .. تحقيقًا. من اعتدى؟ من حطم؟ من نهب؟ من أجبر المدنيين على الرحيل؟ ومن كان مسؤولًا عن حمايتهم؟ وإذا ثبتت الجرائم. فليحاسب مرتكبوها أمام القضاء. أيًا كانت هويتهم أو انتماءاتهم. هذه هي وظيفة الدولة. الدولة القوية تنزع السلاح من المعتدي وتحمي المدني

عندما تقع مشاجرة مسلحة أو اضطرابات أو اعتداءات على المواطنين. فإن الدولة لا تكلف شخصًا بإطلاق التهديدات على المكونات. الدولة تتدخل.تحمي ا لمدنيين. تمنع الفوضى. تضبط السلاح.توقف المعتدين.وتحيل المتهمين إلى القضاء. أما ترك السلاح خارج السيطرة. والسماح للخطابات التحريضية بالانتشار. ثم انتظار انفجار الشارع فهو وصفة لإعادة إنتاج الحرب الأهلية بأشكال جديدة.

السوريون لا يحتاجون إلى مزيد من السلاح في الشوارع. ولا يحتاجون إلى مزيد من الخطابات التي تخبر كل مكوّن أن الآخر عدو. السوريون يحتاجون إلى دولة.

لا نريد إعادة إنتاج الماضي

لقد عانى السوريون لعقود من نموذج (الشبيح) الذي يتحدث باسم الدولة. ويخيف المواطنين. ويستمد قوته من قربه من السلطة أكثر مما يستمدها من القانون. ولا يجوز بعد كل ما حدث أن تعود هذه الثقافة بأسماء جديدة. لا نريد شبيحة جدد. ولا نريد كتبة تقارير جدد. ولا نريد أشخاصًا يتصرفون وكأن قربهم من القصر يمنحهم حصانة. نريد مؤسسات. نريد قانونًا. نريد قضاءً. نريد إعلامًا مسؤولًا.
ونريد مسؤولين يعرفون أن كلمة واحدة صادرة عنهم يمكن أن تشعل الشارع.

إلى الحكومة السورية

إذا كانت الحكومة السورية جادة في بناء دولة جديدة، فعليها أن تثبت ذلك في أول اختبار حقيقي. والاختبار هنا بسيط .. هل القانون فوق الجميع. أم أن القرب من السلطة يحمي بعض الأشخاص؟ هل المواطن الكردي يتمتع بالحماية نفسها التي يتمتع بها المواطن العربي؟ هل المواطن العلوي محمي مثل المواطن السني؟ هل المواطن المسيحي والدروزي والإيزيدي وغيرهم متساوون أمام الدولة؟ هل تستطيع الحكومة أن تقول بوضوح: لا أحد يهدد مكوّنًا سوريًا باسمنا؟

هذا هو الاختبار الحقيقي. نطالب بالتحقيق والمحاسبة بنا ً على ما سبق. نطالب بـ ..

1. فتح تحقيق رسمي ومستقل في التصريحات المنسوبة إلى الإعلامي جميل الحسن.
2. تحديد صفته الرسمية بوضوح. والإعلان عما إذا كان مخولًا بالتحدث باسم أي مؤسسة حكومية.
3. نشر الفيديو كاملًا وإتاحته للرأي العام السوري والدولي ووسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية. بما يسمح بتقييم الكلام في سياقه الكامل.
4. مساءلة كل من يثبت تورطه في تهديد أو تحريض أو خطاب كراهية وفق القانون. بصرف النظر عن موقعه أو قربه من السلطة.
5. التحقيق في الاعتداءات التي طالت المدنيين والعائدين والمهجرين. ومنها ما أُثير حول أحداث سري كانيه. ومحاسبة المسؤولين عنها إذا ثبتت الوقائع.
6. وقف استخدام الخلاف مع قسد ذريعة للتحريض على الكورد كمكوّن قومي. كلنا يعلم قسد اصبح في الكان بعد ان انضم الى الجيش السوري بأتفاق معلن
7. التأكيد رسميًا أن حقوق المواطنين لا تتجزأ. وأن الانتماء القومي أو الديني لا يجعل أي مواطن هدفًا للتهديد أو الإقصاء.

رسالة أخيرة

يا جميل الحسن. إذا كنت تتحدث باسمك. فقل للناس إنك تتحدث باسمك. وإذا كنت تتحدث باسم الحكومة. فليخرج المسؤولون الرسميون ويقولوا ذلك بوضوح. أما أن يبقى المواطن أمام خطاب يهدد ويقصي. ثم لا يعرف هل هو رأي شخصي أم رسالة من داخل السلطة. فهذه هي المشكلة.

لا نريد الانتقام من أحد. ولا نريد إقصاء أحد. ولا نريد تهديد أحد. نريد فقط دولة تعرف حدود سلطتها. ومواطنًا يعرف حقوقه، وقانونًا يسري على الجميع.
لقد دفع السوريون ثمن الفتنة بما يكفي. ومن يريد بناء سوريا الجديدة عليه أن يفهم أن الطريق إليها لا يمر عبر التخويف والتهديد والإقصاء. بل عبر المواطنة والعدالة والقانون والمساواة.

سوريا ليست ملكًا لمكوّن واحد. الكورد جزء أصيل من سوريا. كما أن العرب جزء أصيل منها. وكذلك سائر مكوناتها. ومن يريد أن يدافع عن الدولة. فليبدأ بالدفاع عن المواطن. ومن يريد أن يمثل الدولة. فليحترم القانون. ومن يريد أن يتحدث باسم سوريا. فليتحدث باسم كل السوريين. لا للتهديد. لا للتحريض. لا للإقصاء. لا للتهجير. نعم لدولة القانون والمواطنة والعدالة والتعددية.

قد يعجبك ايضا