26 گولان … ملحمة التحرر

صلاح بكر – اربيل

في صفحات التاريخ ثمة لحظات تبدو وكأنها النهاية حيث يسود الصمت وتتلبد الغيوم معلنة انكسار الحلم. هكذا بدت الصورة بعد نكسة عام 1975 حين ظن الطغاة أن جذوة الكفاح قد انطفأت ، وأن الجبال الشاهقة قد استسلمت لرياح اليأس، لكنهم لم يدركوا أن ارادة الشعوب الحرة كطائر الفينيق ، تنبعث من رمادها أشد بأسا واكثر عنفوانا. وفي السادس والعشرين من آيار (گولان) عام 1976، انبلج فجر جديد، لم يكن مجرد إشراقة شمس ، بل كان إعلاناً مدويا بانطلاق ثورة گولان التقدمية، بقيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني ، لتكون الشرارة الأولى التي أضاءت عتمة الدروب وأعادت الروح إلى الجسد الكوردي المليء بالجراح.

لم تكن ثورة گولان مجرد عودة عابرة للكفاح المسلح ، بل كانت ملحمة أسطورية سطرت بدماء الشهداء وعرَق المناضلين. لقد شكلت هذه الثورة نقطة تحول مفصلية ، حيث انتقل الشعب الكوردي من مرارة الانكسار ومحاولات الصمود اليائسة، إلى مرحلة الثبات الراسخ والمقاومة المنظمة. في تلك اللحظات العصيبة، برزت قيادة حكيمة وشجاعة ، حملت راية الأمل في وجه آلة البطش والقمع التي مارسها نظام البعث في العراق. كان الأب الروحي والقائد التاريخي الملا مصطفى بارزاني يمثل الرمز الخالد الذي استلهمت منه الثورة ارادتها ، لكن الميدان كان بحاجة إلى سواعد شابة وعقول نيرة لترجمة هذا الإلهام إلى واقع ملموس.

وهنا، تجلى الدور العظيم للمرحوم ادريس بارزاني ، الذي لقب بـ “مهندس السلام” ومهندس الثورة. لقد كان إدريس بارزاني شعلة من النشاط، يعمل بصمت وتفان ليل نهار ، متنقلا بين الجبال والوديان ، ليعيد تنظيم الصفوف ويجمع شتات البيشمركة. كان له الدور الريادي والمتميز في إطلاق شرارة الثورة ، حيث أشرف بنفسه على إرسال طلائع البيشمركة إلى كوردستان ، مؤمناً لهم الدعم اللوجستي والمعنوي، وبانياً جسور الثقة والأمل في قلوب المقاتلين. والى جانبه ، وقف الرئيس مسعود بارزاني كطود شامخ يشارك في قيادة هذه الملحمة وتعبئة الجماهير والبيشمركة. لقد شكلا معاً ثنائيا قياديا فذا، أدارا دفة الثورة بحنكة واقتدار ، وتصديا لكل التحديات والمؤامرات التي حيكت لإجهاض الحلم الكوردي.

ومع مرور السنين، أثبتت ثورة گولان أن دماء الشهداء وتضحيات البيشمركة لم تذهب سدى. لقد رسخت هذه الثورة الإيمان المطلق بأن إرادة الشعوب لا تقهر مهما اشتدت الخطوب وتعاظمت التحديات. واليوم ، ونحن ننظر إلى نتاج هذه الثورة العظيمة ومنجزاتها ، نرى كيف تحولت تلك الشرارة إلى نصر حقيقي وملموس. لقد أثمرت تلك التضحيات واقعاً مزدهراً ، يتجسد في كوردستان الفيدرالية الآمنة والمستقرة. وها نحن نرى الحزب الديمقراطي الكوردستاني ، الذي حمل لواء هذه الثورة، يقف اليوم في صدارة المشهد السياسي، متمتعاً بمكانة بارزة ومؤثرة في الساحة الدولية والإقليمية، ليثبت للعالم أجمع أن من يزرع الأمل في قمم الجبال، سيحصد حتماً بيادر النصر والحرية.

قد يعجبك ايضا