إبراهيم اليوسف
ما جرى تحت اسم انتخابات ما يسمى ب” مجلس الشعب” لا يشبه ولادة برلمان بقدر ما يشبه إعادة تدوير الاستبداد بأدوات أكثر ارتباكاً، إذ بدا السوري مرة أخرى خارج القاعة التي يُفترض أنها خُلقت لأجله، بينما جرى تصنيع مجلس بلا ناخبين حقيقيين، ضمن آلية أقرب إلى التعيين المقنّع منها إلى أي معنى انتخابي، الأمر الذي حوّل ما قيل إنه استحقاق وطني إلى مشهد يطرح سؤالاً جارحاً: من سرق صوت السوريين مجدداً؟ لأن البرلمان الذي يُولد عبر نخبة منتقاة سلفاً، وفق دراسات واتفاقات ووساطات، وتحت سقف سلطة- نتيجة لا شرعيتها- تخشى الاقتراع الحر، لا يمكنه أن يكون مجلس شعب، بل مجلس وصاية يعيد إنتاج الطاعة بثياب انتقالية، ويؤسس لجمهورية المنتقين لا جمهورية المواطنين، إذ باتت البلاد تُختصر، في محض حفنة أسماء يجري تدويرها ضمن غرف مغلقة، بينما يُطلب من ملايين البشر الاكتفاء بدور المتفرج على مهزلة تمثيل تتحدث باسمهم من دون أن تمر عبرهم.
فما إن يُعلن عن انتخابات يفترض أنها تؤسس لأول دورة برلمانية بعد انهيار نظام استبدادي امتد لعقود، حتى تذهب المخيلة الجماعية- مباشرة- إلى مفهوم المشاركة العامة، وإلى فكرة استعادة المواطن لصوته المسلوب، وإلى مرحلة إعادة تأسيس وطنية يشعر فيها السوري أنه خرج أخيراً من قفص الرعايا إلى فضاء المواطنين. غير أن ما جرى تحت عنوان انتخابات “مجلس الشعب” في سوريا، وأختتم آخر فصوله في المناطق الكردية، بدا أقرب إلى استعادة رثة، مزيفة، لطقوس مقززة، مقرفة، قديمة، جرى ترميمها الكاريكاتيري، بعجلة من الأمر وفق نظرية” بطيحان*”، مع تبديل أسماء الواجهة، بينما بقي الجوهر ذاته يتنفس من تحت الرماد، إذ إن السلطة التي تدّعي الانتقال من زمن الاستبداد إلى زمن التمثيل الشعبي، لا يمكن أن تبدأ أولى خطواتها عبر مصادرة حق ملايين السوريين في الاختيار، ثم الادعاء أن حفنة منتقاة تمثلهم.
وحقيقة، إنه منذ اللحظة الأولى لقراءة خبر تشكيل المجلس، وما رافقه من حديث عن تعيين جزء من الأعضاء بصورة مباشرة من قبل الرئيس المؤقت، بدا الخبر لي ولكثيرين إن لم أقل لسواد السوريين أقرب إلى مزحة ثقيلة فاقدة للجدية. فاقدة للحس السياسي، لأن أي سلطة انتقالية تحترم فكرة الشرعية، لا بد لها أن تدرك أن عملية التعيين لمؤسسة- سامية كما يجب أن تكون عليه- في لحظة تأسيسية ينسف المفهوم الأخلاقي لفكرة الانتخابات ذاتها، ويحوّل العملية برمتها إلى توزيع شرنقي لمقاعد وحصص، بدلاً من التوجه الحثيث إلى بناء مؤسسة عامة. إذ كيف يمكن الحديث عن تمثيل شعبي بينما القسم المكمل للمجلس يأتي عبر الإرادة الفوقية نفسها التي يفترض أن تخضع لرقابة المجلس لاحقاً؟ وأي منطق سياسي يستطيع إقناع السوري- الحر- بأن صوته بات محترماً، بعد طوال اغتراب وقمع، بينما إرادة السلطة تظل أعلى من لعبة الاقتراع نفسها؟
وصراحة، ما إن بدأت تفاصيل ما سُمّي بالانتخابات تتكشف، حتى ازداد المشهد عبثاً إلى درجة تثير الذهول، لأن فكرة حصر التصويت بعدد محدود من الأشخاص لا تختلف في جوهرها عن فكرة المجالس الأمنية المغلقة، مهما جرى تجميلها بمصطلحات انتخابية. إذ ما الذي يجعل خمسين أو مئة أو حتى خمسمائة شخص أكثر أهلية من ملايين السوريين كي يحتكروا حق اختيار ممثلي الناس؟ ومن الذي منحهم تلك الصفة الاستثنائية؟ وأية معايير دقيقة جرى اعتمادها لاختيارهم؟ ماهي صفات من ظهر اسمه في قوائم الناخبين؟ ما الذي يجعله مختلفاً عمن لم يرد اسمه، ثم لماذا يتحول السوري العادي إلى متفرج على عملية يفترض أنها تخصه أولاً وأخيراً؟، بل لم تم إعلان منع خمسة وعشرين مليون سوري من حقوقهم المدنية؟
الأمر- هنا- لا يتعلق فقط بخلل إجرائي، بل بعقلية ملوثة كاملة ما تزال ترى الشعب مجرد كتلة ينبغي إدارتها لا شريكاً في القرار، وهنا فإنني أشير بإصبعي إلى من تحولوا من مركبة النظام إلى مركبة الثورة إلى مركبة محاولة إجهاض الثورة، والانقلاب على الذات. إذ إن اختزال ملايين البشر في عينة ضيقة قابلة للتوجيه والتحكم عبر الر يموند كونترول، يعني ببساطة إعادة إنتاج البنية القديمة ذاتها، مع اختلاف اللغة المستعملة. لأن مجرد خشية السلطة الاقتراع الحر، يعني أنها تلجأ إلى تصنيع دوائر انتخابية يمكن التحكم بها مسبقاً، عبر العلاقات والولاءات والمصالح والضغوط، وليس من خلال الإرادة العامة. من هنا تبدو العملية كلها أقرب إلى استفتاء مقنّع، وإن ارتدت ثياب الانتخابات.
كان يمكن لأي جهة جادة أن تبدأ بخطوات مختلفة تماماً، عبر انتخابات محلية حقيقية، أو عبر تأسيس لجان تحضيرية واسعة، أو عبر استمزاج الرأي العام بصورة علنية، أو حتى عبر استطلاعات مفتوحة تعكس مزاج الناس وتطلعاتهم، أما أن يُختزل مصير شعب كامل في تجمع محدود ينتقي بدوره أسماء جاهزة، فتلك سابقة تستحق أن تُدرج في سجلات الطرائف السياسية لا في أرشيف” البرلمانات”
الأكثر إثارة للقلق أن أسماء عديدة جرى تداولها ضمن القوائم المطروحة: تصويتاً أو تمثيلاً، بينها شخصيات يتم الحديث عن ارتباطها بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالعنف والسلاح والتحريض، أو شخصيات عاشت طويلاً داخل شبكات الولاء لأمراء الحرب، أو حتى من خلال ولائها لنظام: البعث والأسد، ثم ظهرت فجأة كي تمثل الشعب السوري. في مثل هذا الموقف نحن أمام محاكمة أخلاقية قبل أن تكون لعبة سياسية، من قبل شطار السلطة والمنخرطين في المخطط: إذ لاي حق لمن ساهم في تعميق الخراب أن يصبح جزءاً من مؤسسة يفترض أنها تعبّر عن التعافي الوطني؟ ناهيك عن سؤال جد ملح، يطرح بقوه، فحواه: كيف تطلب من السوري الذي فقد بيته أو ابنه أو كرامته أن يرى وجوهاً مرتبطة بمناخ الدم ذاته، جالسة تحت قبة البرلمان باسم التمثيل الشعبي؟
الأشد مرارة وإيلاماً هو أن الاسم نفسه: “مجلس الشعب”، ما يزال يُستخدم كما لو أن شيئاً لم يحدث. الاسم الذي التصقت به رائحة التصفيق الإجباري والهتافات الجوفاء ومشاهد رفع الأيدي بصورة ميكانيكية لعقود طويلة، ومقولة أحد هؤلاء: سوريا قليلة عليك سيادة الرئيس بشار عليك أن تحكم العالم، ولو جيء به لقالها اليوم في رأس السلطة الجديدة، ومثله يستلمون الآن أعلى المهمات في سوريا، ما بعد سقوط نظام الأسد؟! وكأن سوريا لم تمر بكل هذا الدمار والمجازر والتهجير، وكأن السوري لم يدفع أثماناً هائلة كي يتحرر من رموز المرحلة السابقة. إذ إن المشكلة تكمن في عجز الأمر عن إدراك أن الذاكرة العامة لا يمكن خداعها بإعادة تدوير المفردات القديمة، أو أن هؤلاء يحتاجون إلى لعبة” الغميضة” لطالما أنها تكرس سلطتهم!
ثم ماذا عن مسألة التمثيل الفعلي؟ كيف يمكن لثمانية أعضاء أو حتى عشرة أعضاء كرد أن يدّعوا تمثيل قضية شعب تعداده بالملايين داخل مجلس يتجاوز عدد أعضائه المئتين؟ وأية أهمية لمفهوم العدالة السياسية عندما يتقزم حضور جماعات كاملة إلى مجرد ديكور رقمي؟ وللتدقيق، فإن المأساة هنا لا تخص الكرد وحدهم، بل تشمل المسيحيين والدروز والعلويين وسائر المكونات، لأن أي اختلال في التمثيل داخل لحظة تأسيسية، سيتحول لاحقاً إلى قنبلة سياسية مؤجلة.
سوريا الخارجة من الحرب تحتاج إلى عقد وطني جديد، لا إلى إعادة تدوير شبكات النفوذ القديمة بثياب انتقالية مهلهلة. إنها تحتاج إلى مواطن يشعر أن صوته يساوي صوت أي مسؤول، بعيداً عن محاولات إعادة تحويله إلى مجرد متفرج مشلول الإرادة، مكبل، يُطلب منه التصفيق كلما تغيرت أسماء المتحكمين بالنظام. إذ لا يمكن بناء دولة حديثة بعقلية الغرف المغلقة، كما لا يمكن الحديث عن شرعية شعبية بينما أدوات إنتاج الشرعية نفسها جرى تفريغها من معناها.
أمراء الحرب، مهما اختلفت راياتهم، لا يمكن أن يكونوا بوابة العبور نحو الدولة. تلك مرحلة كان ينبغي أن تنتهي مع انتهاء المعارك الكبرى، لأن وظيفة السلاح تنتهي حين تبدأ وظيفة السياسة. أما استمرار تدوير الوجوه المسلحة أو المحيطة بالسلاح داخل المؤسسات المدنية، فلن يقود إلا إلى تحويل البرلمان نفسه إلى امتداد ناعم لموازين القوة على الأرض.
السوري الذي حلم طويلاً بصندوق اقتراع حقيقي، لا يحتاج برلماناً يُنتج داخل صفقات مغلقة، ولا مجلساً يوزع المقاعد على طريقة توزيع غنائم الغزو، لأن كرامة مواطننا تبدأ من الاعتراف بحق الإنسان العادي في أن يختار، لا في أن يُختار عنه.
مسلسل بالغريبة*
أدى دور بطيحان زهير النوباني
قصة: صقر فهد
سيناريو وحوار:أديب السيد
سنة الإنتاج:1981
إخراج محمد عزيزية