فينوس بابان
حين هبطت طائرة رئيس حكومة إقليم كوردستان السيد مسرور بارزاني، في بغداد بالثالث والعشرين من أيار 2026 لم يكن الأمر مجرد زيارة بروتوكولية بل إعادة ضبط استراتيجية لمعادلة الحُكم الاتحادي بالتزامن مع انطلاقة كابينة جديدة برئاسة السيد علي الزيدي، وعجزت التحليلات السطحية عن رؤية الهندسة الدقيقة لهذه التحركات، فالتوقيت يمثل اشتباكاً مع مخاض عهد سياسي وتنفيذي وتشريعي جديد بقيادة رئيس البرلمان هيبت الحلبوسي ورئيس الوزراء علي الزيدي، لقد جاء السيد مسرور بارزاني ليفرض واقعية سيادية تفكك مفهوم المركزية وتستبدله بـ الاعتمادية المتبادلة، مُحركاً الملفات العالقة لتكون شروطاً بنيوية حاكمة لاستقرار المرحلة.
في عالم الدبلوماسية الكلمة وثيقة ملزمة، وأشار مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي في البيان المشترك إلى أهمية زيارة السيد مسرور بارزاني ، مؤكداً اعتزاز الدولة بمؤسسات الإقليم الأمنية والسيادية ومشدداً على الالتزام بحل القضايا على أسس احترام الكيان الدستوري لإقليم كوردستان وهذا الموقف يضع حصانة قطعية لمؤسسات إقليم كوردستان ويعني أن أي محاولة للمساس بالهيكل الإداري أو المالي مثل مشروع حسابي المصرفي هي مساس بالدستور.
وتزامن هذا مع تفاهمات موازية مع أقطاب الإطار التنسيقي، حيث أكد زعيم ائتلاف دولة القانون السيد نوري المالكي حتمية تصحيح مسار العملية السياسية تحت مظلة حكومة الزيدي والالتزام بالثلاثية الذهبية: الشراكة، التوازن، والتوافق معتبراً دعم استقرار الإقليم مصلحة مشتركة، وفي ذات السياق جاء موقف زعيم تحالف الفتح وقائد منظومة الحشد السيد هادي العامري الذي أعلن أن الأمن لا يتجزأ وأن القوات الاتحادية والبيشمركة والحشد يمثلون جسماً واحداً موضحاً أن الالتفاف على تشريع قانون النفط والغاز المُنصف أمر مستحيل ممهداً لتشريع القانون فور عودة النواب من مناسك الحج بعد عطلة عيد الأضحى لإنهاء الضبابيات الاقتصادية.
وتمثل جوهر الانعطافة في موقف الأمين العام لحركة عصائب أهل الحق الشيخ قيس الخزعلي الذي أشاد برؤية رئيس حكومة إقليم كوردستان الحكيمة معلناً عزمه زيارة أربيل قريباً لتثبيت ركائز هذا المسار، و السيد مسرور بارزاني نجح هنا في اختراق جدار الممانعة الأكثر صلابة فالخزعلي يمنح تفاهمات الرواتب ونظام حسابي وحصة الإقليم غطاءً سياسياً شيعياً متيناً عابراً للكابينات، وفي ملف الطاقة فرض رئيس حكومة إقليم معادلة التكامل، فالإقليم جاء كشريك يسعف المنظومة الاتحادية بإمداد محافظات كركوك، نينوى، وصلاح الدين بمئات الميغاوات من الطاقة عبر محطاته الاستثمارية فضلاً عن تأمين إمدادات الغاز لمواجهة قهر الصيف.
تلاحمت الحصانة التنفيذية مع قوة الشرعية التي صاغتها القمة التشريعية بين السيد مسرور بارزاني ورئيس مجلس النواب السيد هيبت الحلبوسي، ورئيس تحالف السيادة السيد خميس الخنجر إذ صدر موقف نيابي مشترك أكد وقوف السلطة التشريعية المطلق مع الإقليم لحماية مستحقاته المالية المتمثلة في الرواتب ونظام حسابي واستعداد البرلمان فور انتهاء عطلة عيد الأضحى لتعديل الموازنة وتشريع قانون النفط والغاز، والتحليل يكشف عن ذكاء تكتيكي، فالحلبوسي بصفته رئيساً للمؤسسة التشريعية وقائداً لأكبر كتلة سنية بالتحالف مع الخنجر يمتلك مفاتيح تمرير القوانين وبذلك صاغ السيد مسرور بارزاني حلفاً دستورياً عابراً للقوميات.
وعلى صعيد الاقتصاد الدولي، جاء الموقف المشترك لمحافظ البصرة وقائد تحالف تصميم السيد أسعد العيداني ليؤكد أن مشروع طريق التنمية جرى نقاشه كملف مشترك بين حكومة الإقليم وحكومة الزيدي الاتحادية بما يخدم البلاد، والتدقيق يكشف معادلة الاعتمادية، فالبصرة نقطة انطلاق الطريق لكن كوردستان بموقعه يمثل البوابة السيادية والوحيدة لمرور هذا الشريان نحو تركيا وأوروبا، وتدعم هذا دعوة العيداني بنقل تجربة الإعمار الناجحة بالإقليم وتعميمها على المحافظات.
تلاحم هذا مع حصانة تاريخية انتزعها رئيس حكومة الإقليم في لقائه برئيس الوزراء الأسبق الدكتور إياد علاوي، حيث استذكر علاوي تضحيات الشعب الكوردي مشيداً بالقيادة التاريخية للرئيس مسعود بارزاني كمرجع مؤثر، وهذا اللقاء يربط حاضر الاتفاقات بـ شرعية التأسيس الأولى لنظام ما بعد 2003 موجهاً رسالة بأن أربيل عاصمة القرار التاريخي الحاضنة للشرعية، وحقق بارزاني اختراقاً أمنياً بتشكيل لجنة أمنية مشتركة عليا تضم بغداد وأربيل بدعم من الحشد والأمن الوطني للتوجه فوراً إلى طهران لحسم ملف الحدود وترسيمه مما يعني تأميم الأمن الكوردستاني وعرقنته، وجاءت اللقاءات الختامية بزعيم تيار الحكمة السيد عمار الحكيم ورئيس المجلس الأعلى الشيخ همام حمودي لتؤكد حتمية دعم كابينة السيد علي الزيدي وحل ملفات الإقليم تحت مظلة الدستور.
وتجسدت الحصانة الشعبية الأعمق للزيارة في لقاء رئيس حكومة إقليم كوردستان بوفد شيوخ وعشائر وسط وجنوب العراق والذين قدموا له بندقية من طراز برنو كهدية قائلين: إنك في بغداد والجنوب صاحب دار وأهل… ونقدم لك هذه البندقية كرمز عشائري يعبر عن التقدير لنضال كوردستان لنقول لك أمننا وسلاحنا واحد ومضايفنا مشرعة لك والبندقية البرنو مادة رمزية مكثفة في الوجدان العراقي تمثل الفخر والذخيرة التي صانت مضايف الجنوب وهي ذاتها التي ارتبطت بصمود البيشمركة، ومِن ثمَّ فإن نقلها إلى يد السيد مسرور بارزاني يمثل دمجاً أنثروبولوجياً للذاكرة وتشكيلاً لعقد دم وأخوّة، وعبارة أنت صاحب دار فككت السرديات المتطرفة التي دأبت على عزل الإقليم محولةً حقوق مواطنيه وحفظ كيانه الدستوري إلى قضية كرامة تخص مضايف الجنوب.
أمام هذا المشهد المتكامل تجاوز الخطاب الختامي لرئيس حكومة إقليم كوردستان السيد مسرور بارزاني الأطر البروتوكولية التقليدية ليصيغ بيان سيادة حاسماً، إذ لم يكن إعلانه التوجه بقلب مفتوح وبغية تصفير الأزمات مناورة تهدئة بل كان فرضاً لـ معادلة اشتباك بنيوية جديدة مع كابينة السيد علي الزيدي، لقد نقل السيد مسرور بارزاني بذكاء مفهوم الكيان الدستوري والمالي لإقليم كوردستان من خانة المطالب القانونية المستضعفة إلى خانة الشرط الوجودي الحاكم، واضعاً بغداد أمام حقيقة جيوسياسية جديدة: كوردستان ليس طرفاً يبحث عن احتواء بل هو صمام الأمان والرافعة الحتمية التي يستحيل دون استقرارها المالي والسياسي استمرار الهيكل الاتحادي للدولة بأكملها.
إن قراءة هذه الانعطافة التاريخية في مايو 2026 تفكك هندسة العقد السياسي الجديد، فقد نجح رئيس حكومة إقليم كوردستان في محو السرديات الإعلامية التقليدية التي اختزلت العلاقة في أرقام موازنة مستبدلاً إياها بشبكة أمان سداسية الأبعاد أمنية، برلمانية، سياسية، تنموية، تاريخية واجتماعية. هذا الاختراق الاستراتيجي فرض واقعاً لا يمكن تجاوزه حيث غدا استقرار أربيل ومأسسة نظامها المصرفي شرطاً إلزامياً لمنع انهيار التوازن الاتحادي الناشئ بقيادة رئيس البرلمان السيد هيبت الحلبوسي والشيخ قيس الخزعلي وحكومة السيد علي الزيدي، ومِن ثمَّ فإن الأيام القادمة ما بعد عطلة عيد الأضحى المبارك وتعديل الموازنة وتشريع قانون النفط والغاز لن تكون مجرد إجراءات تشريعية عادية بل هي الترجمة التنفيذية الملموسة لتأسيس جمهورية الواقعية السيادية الحامية للازدهار المستدام والتي تعني انتقال الإقليم من مرحلة التفاوض الدوري على قوت مواطنيه إلى مرحلة الحق البنيوي المحصّن بقوة القانون والواقع.