أحمد الزاويتي
تأتي زيارة رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني إلى بغداد في لحظة سياسية عراقية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها ثلاثة مسارات كبرى: ولادة حكومة اتحادية جديدة برئاسة علي فالح الزيدي، استمرار الملفات البنيوية العالقة بين أربيل وبغداد، وتصاعد التحديات الإقليمية والاقتصادية والأمنية التي تجعل الاستقرار الداخلي شرطاً لا غنى عنه لاستقرار الدولة العراقية ككل.
فالزيارة في جوهرها اكثر من تحرك بروتوكولي بين رئيس حكومة إقليم ورئيس حكومة اتحادية، فهي محاولة سياسية لإعادة تعريف العلاقة بين المركز والإقليم ضمن منطق الشراكة الدستورية، بعد سنوات من إدارة الأزمات عبر التسويات المؤقتة، ولا سيما في ملفات الرواتب، النفط والغاز، الموازنة، المادة 140، والحقوق المالية والدستورية لإقليم كردستان.
وقد أكدت بيانات حكومة الإقليم أن بارزاني استهل زيارته بلقاء رئيس الوزراء الاتحادي علي فالح الزيدي، حيث هنأه بتسلم مهامه، وأعلن دعم حكومة الإقليم لإنجاح حكومته، مع التشديد على حل المشاكل العالقة جذرياً وعلى أساس الدستور واحترام الكيان الاتحادي لإقليم كردستان. كما أكد الزيدي أن الهدف هو التوصل إلى اتفاقات تخدم جميع المواطنين والمكونات دون تمييز.
توقيت الزيارة ودلالتها السياسية
أهمية الزيارة تنبع من توقيتها. فقد جاءت بعد تشكيل حكومة اتحادية جزئية برئاسة علي الزيدي، إذ وافق البرلمان العراقي في 14 أيار/مايو 2026 على جزء من الكابينة الوزارية، بينما بقيت حقائب مهمة عالقة، بينها وزارات سيادية وخدمية، ما جعل الحكومة الجديدة بحاجة إلى توسيع قاعدة التوافق السياسي حولها.
بهذا المعنى، تحرك بارزاني في بغداد كان موجهاً إلى مركز القرار السياسي العراقي بكامله: رئيس الوزراء، رئاسة البرلمان، القضاء، قادة الإطار التنسيقي، القوى السنية، شخصيات شيعية مؤثرة، قيادات أمنية، وشيوخ عشائر من الوسط والجنوب. وهذا الاتساع في شبكة اللقاءات يمنح الزيارة بعداً يتجاوز حل مشكلة الرواتب أو النفط، ليصل إلى إعادة بناء الثقة السياسية بين أربيل وبغداد.
الملفات الجوهرية المطروحة
يمكن تلخيص جوهر الزيارة في خمسة ملفات مركزية:
الأول هو ملف الرواتب والمستحقات المالية. وقد ظهر بوضوح في تصريحات بارزاني أن حكومة الإقليم تريد فصل قوت الموظفين عن الصراع السياسي، وعدم تحويل الرواتب إلى ورقة ضغط في خلافات النفط أو الموازنة. هذا الطرح وجد صدى واسعاً في مواقف قوى سياسية عراقية عديدة، بينها قوى سنية وشيعية، شددت على ضرورة التعامل مع موظفي الإقليم كمواطنين عراقيين لهم حقوق مساوية لبقية المواطنين.
الثاني هو ملف النفط والغاز. فغياب قانون اتحادي للنفط والغاز منذ عام 2005 جعل العلاقة النفطية بين أربيل وبغداد واحدة من أكثر عقد الدولة العراقية تعقيداً. تصريحات فالح الفياض حول الحاجة إلى تشريع قانون النفط والغاز تشير إلى أن جزءاً من القوى السياسية بات يدرك أن استمرار الحلول المؤقتة لم يعد كافياً.
الثالث هو الملف الدستوري، خصوصاً احترام النظام الاتحادي والكيان الدستوري لإقليم كردستان. لقاء بارزاني مع رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان حمل دلالة خاصة، لأن الخلاف بين أربيل وبغداد لم يعد سياسياً وتنفيذياً فقط، بل بات يتصل أيضاً بتفسير الدستور، صلاحيات الإقليم، وآليات حماية الحقوق الدستورية.
الرابع هو ملف استكمال الحكومة الاتحادية. عدد من القوى السياسية التي التقاها بارزاني ربطت بين نجاح حكومة الزيدي وحسم العلاقة مع إقليم كردستان. وهذا يعني أن الإقليم لم يعد يُنظر إليه بوصفه طرفاً في مشكلة جانبية، بل شريكاً ضرورياً في استقرار الحكومة الاتحادية نفسها.
الخامس هو الملف الأمني والإقليمي. لقاء بارزاني مع مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي، وتصريحاته عن التنسيق الأمني، يعكسان إدراكاً مشتركاً بأن أمن الإقليم وأمن العراق مترابطان، خصوصاً في ظل التهديدات الإقليمية، الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، ومخاطر الفصائل المسلحة والتدخلات الخارجية.
الرسالة السياسية إلى بغداد
الرسالة الأساسية التي حملها بارزاني إلى بغداد يمكن اختصارها في ثلاث كلمات: الدستور، الشراكة، الحقوق.
فهو قدم الزيارة باعتبارها دعوة للعودة إلى الأساس الذي قامت عليه العملية السياسية بعد 2003: عراق اتحادي، تعددي، قائم على التوازن والتوافق والشراكة.
وتظهر أهمية هذه الرسالة في أن جزءاً من الأزمة العراقية المستمرة منذ سنوات يعود إلى تآكل الثقة بين المكونات، وتحول الدستور من مرجعية حاكمة إلى نص يجري استدعاؤه انتقائياً عند الحاجة. لذلك، فإن تأكيد بارزاني المتكرر على احترام الدستور ليس خطاباً قانونياً فحسب، بل محاولة لإعادة ضبط العلاقة السياسية على قاعدة ملزمة للجميع.
وقد عبّر بارزاني في منشوراته وتصريحاته عن أن الحلول الدائمة لا تقوم إلا بالحوار والشراكة الحقيقية واحترام الدستور، وأن مستقبل الإقليم والعراق يتقدمان معاً عبر حماية حقوق جميع المكونات.
موقف القوى الشيعية والسنية
أبرز ما يميز الزيارة هو الترحيب الواسع بها من أطراف كانت مواقفها من الإقليم متفاوتة، بل متباينة أحياناً. فقد التقى بارزاني شخصيات من الإطار التنسيقي، بينها نوري المالكي، قيس الخزعلي، فالح الفياض، همام حمودي، وشخصيات قريبة من بدر، كما التقى قوى سنية بارزة مثل محمد الحلبوسي، مثنى السامرائي، خميس الخنجر، وقيادات من تقدم والسيادة وعزم.
هذا التنوع في اللقاءات يشير إلى أن بارزاني لم يذهب إلى بغداد للقاء طرف دون آخر، بل لتوسيع دائرة التفاهمات مع جميع مراكز التأثير. وفي السياسة العراقية، هذا أمر بالغ الأهمية، لأن القرار لا يُصنع في مؤسسة واحدة، بل داخل شبكة معقدة من القوى الحزبية والبرلمانية والأمنية والاجتماعية.
القوى السنية ركزت، بحسب التقارير، على الشراكة السياسية، دعم حقوق الإقليم، وضرورة حماية التوازن الوطني. أما القوى الشيعية فركّزت على دعم الحكومة الجديدة، حل الملفات عبر الدستور، تشري.
البعد الاقتصادي والخدمي
تجاوزت الزيارة بعدها السياسسي فقد حضر فيها البعد الاقتصادي والخدمي بقوة، خصوصاً عبر الحديث عن تجربة إقليم كردستان في الكهرباء، الإعمار، الاستثمار، والسياحة. تصريحات عن إمكانية الاستفادة من مشروع “رووناكي” في بقية العراق تعكس تحولاً مهماً في النظرة إلى الإقليم: من طرف متنازع معه إلى نموذج يمكن الاستفادة من بعض تجاربه.
كما حملت تصريحات محافظ البصرة أسعد العيداني بعداً اقتصادياً لافتاً، حين ربط بين إقليم كردستان ومشروعي ميناء الفاو وطريق التنمية، باعتبار الإقليم بوابة العراق نحو تركيا، وباعتبار الفاو بوابة العراق نحو الأسواق العالمية. هنا يظهر تصور اقتصادي جديد للعلاقة بين الإقليم والمحافظات العراقية: التكامل لا التنافس.
حدود التفاؤل ومخاطر الانتكاس
مع ذلك، لا ينبغي التعامل مع الزيارة بوصفها حلاً نهائياً بذاتها. فالسياسة العراقية شهدت زيارات واتفاقات كثيرة لم تتحول إلى نتائج مستدامة. التحدي الحقيقي ليس في التصريحات الإيجابية، بل في تحويلها إلى آليات تنفيذية واضحة.
هناك أربعة مخاطر قد تعرقل نتائج الزيارة:
الأول: غياب جدول زمني ملزم لحل الملفات، خصوصاً الرواتب والنفط والموازنة.
الثاني: استمرار الخلاف داخل القوى الشيعية نفسها حول توزيع السلطة وحدود العلاقة مع الإقليم.
الثالث: هشاشة حكومة الزيدي في بدايتها، خاصة أنها لم تكتمل بالكامل بعد.
الرابع: التأثيرات الإقليمية، ولا سيما التوازن الصعب بين واشنطن وطهران، وملف الفصائل المسلحة، والضغوط الاقتصادية الناتجة عن اضطرابات تصدير النفط والطاقة.
لذا يمكن القول إن زيارة مسرور بارزاني إلى بغداد مثلت انتقالاً من سياسة إدارة الأزمة إلى محاولة هندسة تفاهمات أوسع. فهي لطرحت ملفات الإقليم بوصفها جزءاً من سؤال الدولة العراقية: كيف يمكن بناء عراق اتحادي مستقر يحترم دستوره ومكوناته ويحوّل التنوع إلى مصدر قوة؟
نجاح الزيارة سيتوقف على ما سيحدث بعدها: هل ستتحول التفاهمات إلى قرارات؟ هل ستُدفع رواتب موظفي الإقليم بعيداً عن المناكفات السياسية؟ هل سيُفتح مسار جدي لقانون النفط والغاز؟ هل ستُحترم الشراكة الدستورية لا في الخطاب فقط بل في الموازنة والقرار السيادي والمؤسسات؟
إذا حدث ذلك، فقد تكون الزيارة بداية صفحة جديدة بالفعل. أما إذا بقيت في حدود المجاملات السياسية، فستضاف إلى سجل طويل من اللقاءات الإيجابية التي لم تمنع عودة الأزمات. غير أن ما يميز هذه الزيارة هو اتساعها، توقيتها، وتعدد الأطراف المرحبة بها، ما يجعلها واحدة من أهم محطات العلاقة بين أربيل وبغداد في مرحلة ما بعد تشكيل حكومة علي الزيدي.