تزرين يعقوب سولا*
في زمنٍ مضى، كان العراق من الدول التي خاضت معركة حقيقية ضد الأمية، بحملات واسعة وصلت إلى القرى والأرياف والمدن. كانت مدارس محو الأمية تفتح أبوابها للكبار قبل الصغار، وكان التعليم يُنظر إليه على أنه مشروع وطني لبناء الإنسان. استطاع كثير ممن حُرموا من القراءة والكتابة أن يتعلموا، وأن يشعروا بأن لهم مكانًا في المجتمع. يومها كان الجهل يُعدّ نقصًا ينبغي معالجته، لا أمرًا عاديًا يمكن التعايش معه.
لكن الحروب المتعاقبة، والحصار، والأزمات الاقتصادية والسياسية، أرهقت البلاد وأضعفت مؤسساتها التعليمية. تراجع الاهتمام بمحو الأمية، وظهرت أجيال أنهكتها الظروف، فانشغل الناس بتأمين لقمة العيش أكثر من انشغالهم بالعلم والثقافة. ومع مرور الوقت، لم تعد المشكلة مقتصرة على أمية القراءة والكتابة فقط، بل ظهرت أمية جديدة أكثر خطورة وتعقيدًا: الأمية الإلكترونية والمعرفية.
اليوم، نحن نعيش عصر التكنولوجيا والتعليم الرقمي، لكن المؤسف أن جزءًا من الكوادر التعليمية نفسها لا يمتلك المهارات الأساسية لمواكبة هذا التطور. فهناك من لا يستطيع إعداد الأسئلة الامتحانية بنفسه باستخدام الحاسوب، فيلجأ إلى أشخاص آخرين للقيام بذلك، رغم أن هذا الأمر يُعد مخالفًا للتعليمات التربوية ويفقد العملية التعليمية جزءًا من مهنيتها ومصداقيتها. والأخطر من ذلك أن بعضهم لا يجيد التعامل مع الوسائل التعليمية الحديثة، ولا يعرف كيف يستخدم التقنيات الرقمية في الشرح أو التواصل أو إعداد المحتوى التعليمي.
المشكلة هنا لا تتعلق بالعمر أو الإمكانيات فقط، بل بثقافة التطور المستمر. فالمعلم لم يعد ناقلًا للمعلومة كما في السابق، بل أصبح مطالبًا بأن يكون قادرًا على استخدام التكنولوجيا، وإدارة الصف بوسائل حديثة، ومواكبة التغيرات السريعة في عالم التعليم. لأن الطالب اليوم يعيش في عالم مفتوح إلكترونيًا، ويرى أدوات وأساليب مختلفة، بينما قد يجد داخل بعض الصفوف طرقًا تقليدية لم تتغير منذ سنوات طويلة.
ولا يعني هذا التقليل من قيمة الكوادر التدريسية، فبينهم الكثير من المتميزين والمجتهدين الذين يطورون أنفسهم باستمرار رغم ضعف الإمكانيات. لكن الواقع يفرض الاعتراف بوجود فجوة واضحة تحتاج إلى معالجة حقيقية، تبدأ بالتدريب الجاد، وإعادة تأهيل بعض الكوادر، وربط التعليم بالتكنولوجيا الحديثة بصورة عملية لا شكلية.
إن محو الأمية اليوم لم يعد يقتصر على تعليم الحروف والكلمات، بل أصبح يشمل القدرة على استخدام الحاسوب، والبحث، والتعامل مع المنصات التعليمية، وإنتاج المعرفة لا استهلاكها فقط. فالأمم لا تتقدم بالشهادات وحدها، بل بكفاءة الإنسان وقدرته على التكيف مع العصر.
ولهذا، فإن معركة العراق الحالية ليست فقط ضد أمية القراءة والكتابة، بل ضد أمية أخطر قد تختبئ خلف الشهادات والمناصب، وهي أمية التطور ومواكبة العصر.
*مشرفة تربوية