رمزي ميركاني
كما هو سائد في الأنظمة السياسية عالمياً، تقوم الدولة على أربع سلطات رئيسية: رئاسة الجمهورية أو الديوان الملكي، ورئاسة الوزراء، ومجلس النواب، ومجلس القضاء. وفي العراق، توجد هذه السلطات دستورياً، إلا أنها في الواقع العملي تبدو عاجزة عن ممارسة مهامها السيادية في إدارة مفاصل الدولة، أو حماية المواطنين من الاعتداءات الخارجية والداخلية. كما يظهر عجزها جلياً في الحفاظ على المال العام، وصون سيادة البلاد، وحماية حدودها؛ وذلك لوجود جهات موازية “فوق القانون” تتحكم في مقاليد الأمور، سواء من خلف الستار أو عبر فرض نفوذها بالقوة على أرض الواقع.
وعلى الرغم من أن العراق يُعد “على الورق” دولة ذات سيادة مكتملة الأركان، إلا أن الواقع يشير إلى افتقار الدولة للسلطة الفعلية على مؤسساتها؛ فلا هي قادرة على كبح جماح الفصائل المسلحة الموالية لجهات خارجية، ولا تملك القدرة على محاسبة كبار الفاسدين، فضلاً عن فقدانها السيطرة الحقيقية على ملفات المياه، والحدود، والقرار السياسي المستقل. فالفصائل المسلحة تتحرك غالباً وفق أجندات خارجية، متجاوزةً أوامر وزير الدفاع أو القائد العام للقوات المسلحة، رغم أنها تتقاضى رواتبها وتستمد تسليحها من ميزانية الدولة.
إن المشهد العراقي تتقاسمه قوى متعددة؛ فمن جهة، هناك القوى الخارجية المتمثلة في الولايات المتحدة وإيران، اللتين تمتلكان النفوذ الأقوى وتجعلان من العراق ساحة لتصفية الحسابات. ومن جهة أخرى، تبرز المرجعيات الدينية كقوة نفوذ معنوية وسياسية كبرى، حيث تمتلك الكلمة العليا في المنعطفات المصيرية، وتمارس دوراً رقابياً يمنح الشرعية للحكومات أو يسحبها منها.
أما التهديد الأمني الأبرز، فيتمثل في الفصائل المسلحة التي باتت هي “الحاكم الفعلي” على الأرض؛ إذ تتحرك بأسلحتها في مختلف المحافظات (باستثناء إقليم كوردستان)، وتفرض أجندتها على السلطة التنفيذية والتشريعية. وقد بدا ذلك واضحاً في مناسبات عدة، حيث وقفت القوات الأمنية الرسمية موقف المتفرج أمام تحركات هذه الفصائل، خاصة خلال التوترات الإقليمية حين انطلقت الصواريخ والطائرات المسيرة دون امتثال لأوامر القيادة العسكرية العليا.
وعلى المستوى السياسي، تسيطر الأحزاب والكتل الكبرى على البرلمان والوزارات من خلال نظام “المحاصصة”. حيث تُوزع الحقائب الوزارية والمناصب العليا كغنائم بين القوى الفائزة، مع التركيز على الوزارات الخدمية ذات الميزانيات الضخمة. هذه الكتل لا تكتفي بتعطيل القوانين التي تتعارض مع مصالحها، بل تمارس أيضاً ضغوطاً لحماية مسؤوليها من المحاسبة أو سحب الثقة، وغالباً ما تخضع قراراتها لتوجيهات خارجية تغلّب المصالح الإقليمية على مصلحة الشعب الذي انتخبها.
في الختام، يمكن القول إن العراق لا يُدار حقيقةً تحت قبة البرلمان أو في أروقة مجلس الوزراء، بل تُصنع قراراته في مكاتب مغلقة، أو في أروقة خارجية، أو على طاولات “تقاسم المغانم”. ولعل الظاهرة الأكثر غرابة في الديمقراطية العراقية هي غياب “المعارضة الحقيقية” داخل البرلمان؛ فبما أن الجميع يسعى للحصول على حصته من “الكعكة”، غابت الرقابة الفاعلة التي كان من شأنها تقويم أداء الحكومة والحد من التجاوزات السلبية التي أنهكت الدولة والمواطن. إذاً من يحكم العراق فعلياً؟