مصطفى طارق الدليمي
تستند فكرة السياسة الدولية في جوهرها إلى المصالح الحيوية التي تحرك الدول الكبرى وتجعل من الشعارات البراقة مجرد واجهات يتم استدعاؤها أو ركنها على رفوف النسيان وفقاً لبوصلة المنفعة إن الحديث عن الديمقراطية كقيمة إنسانية عليا يواجه اليوم اختبارات قاسية في مختبرات الواقع إذ تتحول هذه المنظومة من غاية تسعى إليها الشعوب إلى أداة جيوسياسية بيد القوى الفاعلة تُستخدم لشرعنة التدخل في شؤون دول بعينها بينما يتم التغاضي عن غيابها التام في جغرافيا أخرى ما دامت تلك البقاع تضمن تدفق الموارد أو تؤمن توازنات القوى المطلوبة يدرك المراقب الفطن أن معايير دعم التحول الديمقراطي لا تخضع لمسطرة أخلاقية ثابتة انما هي عملية انتقائية بامتياز تشتد وطأتها حينما يراد إضعاف خصم سياسي أو حصار نظام مارق عن الإرادة الدولية وتتلاشى تماماً حينما يتعلق الأمر بحليف استراتيجي يمسك بمفاتيح الطاقة أو يشكل حائط صد في مناطق التوتر
يظهر هذا التناقض بوضوح عند استعراض تاريخ التدخلات الدولية في الشرق الأوسط
فالعراق يبرز كمثال صارخ على تقديم “تصدير الديمقراطية” كذريعة أخلاقية لغزو عسكري عام 2003 حيث كان الوعود بإنشاء واحة للديمقراطية في المنطقة هي الغطاء السياسي لعملية تغيير بنيوي أدت في النهاية إلى تشظي مؤسسات الدولة وبروز الهويات الفرعية على حساب المواطنة مما يكشف أن الهدف لم يكن بناء تجربة ديمقراطية ناجحة بقدر ما كان إعادة صياغة موازين القوى الإقليمية
وفي مقابل هذا الاندفاع العسكري تحت لافتة “صندوق الاقتراع” نجد صمتاً دولياً مريباً تجاه أنظمة في وسط آسيا وأفريقيا تغيب عنها أبسط معايير التداول السلمي للسلطة لكنها تحظى بحصانة دولية كاملة بفضل عقود النفط أو القواعد العسكرية التي تحتضنها مما يحول مبدأ “حقوق الإنسان” من التزام عالمي إلى بطاقة دخول تمنحها الدول الكبرى لمن تشاء وتسحبها عمن تشاء
تتجلى هذه الازدواجية أيضاً في التعاطي مع التجارب اللاتينية ففي الوقت الذي فُرضت فيه عقوبات اقتصادية خانقة على فنزويلا تحت مبرر حماية المسار الديمقراطي كانت عواصم القرار ذاتها تغض النظر عن انقلابات عسكرية أو تلاعب بالدستور في دول مجاورة ما دامت القيادات الجديدة تتماشى مع الخطوط العريضة للسياسة الاقتصادية الغربية هذا الانتقاء يحول الديمقراطية من “حق تقرير مصير” إلى “ورقة ضغط” تُرفع في وجه الأنظمة التي تحاول الخروج عن بيت الطاعة الدولي
فالمعايير التي استُخدمت لعزل نظام “معمر القذافي” في ليبيا تحت مسمى حماية المدنيين هي ذاتها التي يتم تغييبها اليوم في صراعات دموية أخرى تشهد انتهاكات أفظع لكن غياب المصلحة الاستراتيجية أو وجود توازنات معقدة مع قوى كبرى مثل روسيا أو الصين يجعل لغة الديمقراطية تتراجع لصالح لغة “الواقعية السياسية”
الواقع يخبرنا أن التلويح بفرض الديمقراطية كنموذج جاهز غالباً ما يتجاهل الخصوصيات الثقافية والاجتماعية للمجتمعات وهو ما يفسر فشل الكثير من التجارب التي أُلبست ثوباً ديمقراطياً قسرياً كما حدث في أفغانستان التي تهاوى فيها النموذج “المستورد” بمجرد انسحاب الراعي الدولي ليتضح أن المؤسسات التي بُنيت بمليارات الدولارات كانت مجرد هياكل كرتونية تفتقر للجذور الشعبية
إن بناء المؤسسات الديمقراطية يتطلب بيئة مستقرة ونمواً اقتصادياً ووعياً جمعياً ينمو من الداخل بينما نجد أن الدعم الدولي يتوجه غالباً نحو “الشكل” الديمقراطي مثل الانتخابات الصورية التي تفرز وجوهاً تابعة بدلاً من دعم الجوهر الذي يضمن العدالة الاجتماعية وفصل السلطات الدول الكبرى في سعيها لتأمين مواردها وتوسيع رقعة نفوذها تجد في الديمقراطية أحياناً عائقاً أمام صفقاتها السريعة فتلجأ إلى دعم الشخصيات القوية التي تضمن لها الهدوء والاتفاقيات الطويلة الأمد
من هنا تبرز إشكالية “ازدواجية المعايير” التي أصبحت سمة بارزة في العلاقات الدولية المعاصرة فالدولة التي تُدان اليوم بسبب قمع الحريات قد تصبح غداً شريكاً مثالياً إذا ما تغيرت خارطة المصالح أو ظهر عدو مشترك كما نلاحظ في التقلبات التي تشوب العلاقة مع القوى الناشئة في شرق أوروبا أو جنوب شرق آسيا
هذا التذبذب في المواقف يضعف القوى الديمقراطية الحقيقية داخل تلك المجتمعات ويجعلها تبدو كأدوات في يد الخارج مما يعزز موقف الأنظمة السلطوية التي تستخدم هذه الحجة لتخوين كل صوت ينادي بالإصلاح
إن السياسة الواقعية هي المحرك الحقيقي في كواليس القرار وما الديمقراطية إلا فضاء للمناورة الإعلامية والسياسية يتم تكييفه بما يخدم موازين القوى فتصبح الديمقراطية مطلباً ملحاً في بلد يمتلك ثروات يراد الوصول إليها وتصبح ترفاً لا حاجة له في بلد آخر يقدم خدماته الأمنية بصمت
إن الرهان على دعم خارجي لتحقيق الديمقراطية هو رهان خاسر في معظم التجارب التاريخية لأن هذا الدعم مشروط دائماً بمدى توافق النتائج مع مصالح الممول أو الراعي الدولي
التحول الحقيقي نحو الديمقراطية يجب أن ينبع من صلب الاحتياجات الوطنية بعيداً عن كونه أداة لتصفية الحسابات الدولية أو وسيلة لتوسيع مناطق النفوذ ما تشهده الساحة العالمية اليوم من صراعات يؤكد أن الديمقراطية حين تُستخدم كأداة نفوذ فإنها تخسر قيمتها الأخلاقية وتتحول إلى مجرد مبرر للصراع تاركة الشعوب في مواجهة مصيرها بين مطرقة الأنظمة وسندان الأطماع الدولية مما يستدعي إعادة قراءة المشهد برؤية تجرد الشعارات من زيفها وتبحث عن الحقائق الكامنة خلف كواليس المصالح الكبرى لضمان ألا يظل صندوق الاقتراع مجرد غطاء لتمرير أجندات لا علاقة لها بإرادة الناخبين