عماد الزبيدي.. ذاكرة الضوء في أمكنة العراق

نبيل عبد الأمير الربيعي

في زمن أصبحت فيه الصورة مجرد لقطة عابرة على شاشات الهواتف، يظل هناك من يؤمن بأن التصوير الفوتوغرافي فعل ثقافي وإنساني، يوثق الجمال ويحفظ الذاكرة ويعيد اكتشاف المكان بروح مختلفة. ومن بين هؤلاء يبرز الفنان الفوتوغرافي عماد الزبيدي، الذي رافق رحلتنا مع شركة التكاتم للسياحة والسفر إلى مصايف دهوك والعمادية، ووثق بعدسته مشاهد الطبيعة والروح والتاريخ في شمال العراق ومدينة الموصل.
لم تكن رحلة عابرة بين أماكن سياحية وأثرية، بل كانت أشبه برحلة داخل روح العراق المتعددة، حيث الجبل يحتضن الذاكرة، والماء يروي الحكايات القديمة، والمآذن والأجراس تتجاور في لوحة إنسانية نادرة. وهنا كانت كاميرا عماد الزبيدي حاضرة بوصفها عيناً تلتقط التفاصيل التي قد لا يراها الجميع.
في مصايف دهوك والعمادية، لم يكتفِ بتوثيق الطبيعة الخضراء أو المشاهد البانورامية، بل ألتقط ذلك الانسجام العميق بين الإنسان والمكان؛ الضحكات العابرة، جلسات الأصدقاء، ضوء المساء فوق الجبال، وانعكاس السكينة على الوجوه. كانت الصورة عنده لغة صامتة تقول الكثير.
أما في معبد لالش، فقد تعامل مع المكان بحس جمالي وروحي عالٍ، مدركاً أن هذا المعلم ليس مجرد موقع ديني للإيزيديين، بل جزء من ذاكرة العراق الروحية والتاريخية. عدسته اقتربت من القباب الحجرية، ومن الضوء المتسلل إلى الممرات القديمة، ومن وجوه الزائرين التي تحمل مزيجاً من التأمل والإيمان والسلام الداخلي.
وفي الموصل، المدينة التي نهضت من بين الرماد، كان حضوره الفوتوغرافي أكثر عمقاً وتأثيراً. عند جامع النوري ومنارته الحدباء، بدا وكأنه يوثق انتصار الذاكرة على الخراب. وفي كاتدرائية مار توما ومسجد النبي يونس، استطاع أن يقدم صورة حقيقية عن التنوع العراقي الذي حاولت الحروب والتطرف تمزيقه، لكنه ظل حياً في وجدان الناس وفي حجارة الأماكن المقدسة.
تميزت أعمال عماد الزبيدي بأنها لا تبحث عن الصورة التقليدية الجاهزة، بل عن المعنى المختبئ خلفها. فهو لا يصور المكان فقط، بل يصور علاقته بالناس، ويجعل من الضوء والظل وسيلة لقراءة التاريخ والهوية والجمال.
إن ما يقدمه هذا الفنان لا يمكن اختصاره بوصفه توثيقاً لرحلة، بل هو مساهمة ثقافية وجمالية في حفظ الذاكرة العراقية، وتأكيد أن الفن قادر على مقاومة النسيان، وإعادة اكتشاف الوطن بعد كل ما مر به من تعب وألم.
تحية للمبدع عماد الزبيدي، الذي جعل من الكاميرا شاهداً على جمال العراق، ومن الصورة رسالة محبة ووفاء للأمكنة التي تستحق أن تُرى دائماً بعين الجمال.

قد يعجبك ايضا