حين كانت لغتي تُهمس خوفًا: الكوردية… ذاكرة مقاومة وحلم اعتراف في سوريا الجديدة.

نجاح هيفو

في يوم اللغة الأم، لا أكتب عن اللغة بوصفها مجرد وسيلة للتواصل بين البشر، بل أكتب عن اللغة حين تصبح هوية كاملة، وذاكرة جماعية، وشكلًا من أشكال المقاومة في وجه محاولات الطمس والإلغاء. أكتب عن لغتي الكوردية، اللغة التي وُلدت معي، وشكلت وجداني الأول، وكانت أول نافذة أطل منها على العالم. هي اللغة التي سمعتها في صوت أمي، وفي أغاني جدتي، وفي حكايات قريتنا، وفي أحاديث والدي الذي كان يؤمن أن اللغة ليست مجرد كلمات، بل وطن متنقل نحمله أينما ذهبنا.

أتحدث أيضًا باللغة العربية، وقد أتقنتها بقوة، وكتبت بها، ودرست من خلالها، لأنها لغة مهمة في حياتي ومسيرتي. لكنها لم تكن يومًا بديلًا عن لغتي الأم، بل كانت مساحة أخرى أستخدمها لأدافع عن جذوري، وأروي بها قصة لغة حاولت الأنظمة السياسية خنقها، لكنها بقيت حيّة بفضل الناس الذين رفضوا الاستسلام.

في ظل حكم حزب البعث العربي الاشتراكي في سوريا، لم يكن الحديث عن اللغة الكوردية أمرًا طبيعيًا. كانت هناك سياسات هدفت إلى تهميش الهوية الكوردية، وتم التعامل مع اللغة وكأنها تهديد يجب السيطرة عليه. لم يكن من السهل العثور على كتب باللغة الكوردية، ولم يكن تعليمها متاحًا بشكل رسمي، كما كانت المناسبات الثقافية والقومية الكوردية تُراقب بحذر.

أتذكر والدي، وأعتبره أحد أبطالي الحقيقيين. لم يكن يحمل سلاحًا، لكنه كان يحمل شيئًا أكثر خطورة بالنسبة للسلطات: المعرفة. كان يعلم الشباب اللغة الكوردية سرًا، في البيوت، بعيدًا عن أعين الأجهزة الأمنية. كانوا يجتمعون ليتعلموا الحروف الكوردية، ويقرأوا القصائد، ويحفظوا الأغاني التراثية. كان والدي يؤمن أن خسارة اللغة تعني خسارة التاريخ والهوية، لذلك اختار أن يقاوم عبر التعليم.

حتى المناسبات القومية الكوردية مثل نوروز كانت تحمل تناقضًا كبيرًا. كنا نرتدي الملابس الكوردية بفرح، لكن بقلوب خائفة. نغني ونرقص أحيانًا، لكننا نلتفت حولنا باستمرار. كان الفرح نفسه يحتاج إلى شجاعة، لأن التعبير عن الهوية لم يكن دائمًا آمنًا.

نشأت وأنا أسمع قصصًا كثيرة عن منع اللغة، وعن أشخاص تعرضوا للمضايقة بسبب تمسكهم بهويتهم الثقافية. تلك القصص لم تجعلني أبتعد عن لغتي، بل جعلتني أكثر تعلقًا بها. أدركت مبكرًا أن اللغة التي يخاف منها القمع، هي لغة تستحق أن نحميها.

اليوم، وبعد سنوات طويلة من الألم والتحولات التي تمر بها سوريا، ما زلت أحلم. أحلم أن يأتي يوم تُعترف فيه اللغة الكوردية كلغة رسمية في البلاد، وأن يتم تدريسها بشكل قانوني، وأن يكبر الأطفال الكورد وهم يتعلمون لغتهم دون خوف أو سرية.

إن الاعتراف باللغة الكوردية لا ينتقص من أحد، بل يعزز فكرة الوطن العادل الذي يتسع لجميع مكوناته. فسوريا القوية ليست سوريا التي تنكر تنوعها، بل سوريا التي تعترف بأن قوتها الحقيقية تكمن في تعدد ثقافاتها ولغاتها.

لن أبخل بالحلم على اللغة التي صنعتني، ولا على اللغة التي حفظت ذاكرة شعبي رغم كل محاولات الإلغاء. الكوردية بالنسبة لي ليست مجرد لغة أم، بل تاريخ من الصمود، ورسالة للأجيال القادمة بأن الهوية التي دُفعت أثمان باهظة لحمايتها، يجب أن تُصان وتُحتفى بها دائمًا.

قد يعجبك ايضا