صلاح بكر
في حنايا بغداد الضاربة جذورها في عمق التاريخ، حيث تتنفس الازقة عبق الحضارات وتهمس الجدران بحكايات الاولين، ابصرت حواء النور، تلك الفتاة البغدادية التي غرس القدر في مقلتيها شعلة من طموح لا ينطفئ، وزرع في فؤادها احلاما تناطح السحاب. غير ان الاقدار شاءت ان تتقاطع دروبها مع منعطف حاد، اذ قبل ان تقطف ثمار دراستها الاعدادية، اقتادها نصيبها الی عش الزوجية. فتوارت الكتب خلف جدران البيت، وغدت الاحلام اشبه بنجوم بعيدة تتلألأ في سماء لا تطالها اليد.
ولم يكتفِ القدر بذلك، بل حمل حواء بعيدا عن حضن بغداد الدافئ، اذ انتقلت مع زوجها الی مدينة نائية، تفصلها عن مسقط رأسها مسافات من الغربة والحنين. وهناك، في تلك الديار البعيدة، انعم الله عليها باربعة فلذات من كبدها؛ (أ) و(ف) و(ل) و(ت)، صبيان وفتاتان، غدوا زينة حياتها وثقلها في آن. راحت تنسج ايامها بين واجبات الامومة وشوق خفي للعلم يتقد في صدرها كجمرة تحت الرماد.
اثنا عشر حولا قضتها حواء في تلك المدينة النائية، تتأرجح بين صبر الغريبة وحلم الطالبة المؤجل، حتی عصفت رياح الفتن بارض الرافدين مرة اخرى. اشتعلت الاضطرابات الامنية، وتحولت الشوارع الی ساحات خوف، فلم تجد حواء وزوجها بدا من اقتلاع جذورهم للمرة الثانية، والرحيل بابنائهم الاربعة نحو اربيل، فرارا من لظى الفوضى وبحثا عن واحة امان جديدة.
في اربيل، حيث لا تعرفها الارصفة ولا تحتضنها الحيطان، لم ترضخ تلك الفتاة البغدادية للقنوط، بل استنهضت من رماد المحن عنقاء ارادتها. لم تمد لها البيئة المحيطة يد العون قط. كانت الالسنة تنهش عزيمتها، والعيون ترمقها بنظرات الاستنكار. بيد ان ثمة روحا واحدة آمنت بها حين كفر الجميع؛ زوجها. كان يتأمل ذلك الوهج المتقد في عينيها، فيتغاضى عن شتات البيت وفوضى المكان، ويصرف بصره عن كل تقصير، ليمنحها فسحة من الوقت وبقعة من الضوء تطارد فيها حلمها المؤجل. كان سندها الذي لا يتزعزع، وجناحها الذي به حلقت فوق اسوار المستحيل.
في اربيل، قررت حواء ان تمسك بمقود حياتها كما تمسك بمقود السيارة التي تعلمت قيادتها. لم تكن القيادة مجرد مهارة تضاف الی رصيدها، بل كانت استعارة حية لتحررها من اغلال الظروف. باتت تمتلك سيارتها الخاصة، تشق بها دروب اربيل بثبات وعزيمة، كمن يرسم خارطة مصيره بيديه.
وهناك في اربيل، عادت حواء الی محراب العلم بعد غياب طويل، فتقدمت للامتحانات الخارجية وهي تتأرجح بين واجبات الامومة وشغف التعلم. كانت لياليها سهدا طويلا، تصارع فيه حروف الكتب وتقارع صفحاتها، حتی اذا اسفر الفجر عن نتائجه، تجلی النجاح ساطعا كشمس لا تحجبها الغيوم.
لم يرتوِ ظمأ طموحها بذلك، فولجت ابواب الجامعة لتدرس الحقوق، ذلك الميدان الذي طالما ناداها من بعيد. كانت تنطلق كل صباح خلف مقود سيارتها، تحمل زميلاتها معها، فتمتلئ المقاعد بالضحكات والهمسات والاحلام المشتركة. كانت تستعيد ربيع عمرها الذي ذوى قبل اوانه، وتزرعه من جديد في تربة الامل.
وبعد واحد وعشرين عاما من زواجها، وقفت حواء علی منصة التتويج، مرتدية وشاح الظفر، ممسكة بشهادة البكالوريوس في الحقوق. كانت لحظة فارقة، تعانقت فيها دموع الغبطة مع دموع الاسى. فقد كانت والدتها، رحمها الله، تنتظر هذا اليوم بلهفة الامهات، تحلم ان ترى فلذة كبدها متوجة بين اقرانها. لكن المنية اختطفتها قبل ان تكتحل عيناها بمشهد التخرج.
رفعت حواء شهادتها صوب السماء، وكأنها تهديها لروح تحوم هناك في الاعالي، تهمس لها: وفيتُ يا امي، وازهر الحلم الذي سقيتِهِ بدعواتك. في تلك اللحظة الخالدة، ايقنت ان الارادة اذا تجذرت في القلب، فلن تقوى عليها عواصف الزمن، وان الاحلام لا تشيخ ولا تبلى، بل تتفتح حين يحين ميعادها، كزهرة نبتت في صخر، وآتت اكلها رغم قسوة الفصول.
واليوم، تتطلع حواء بعينين ملؤهما الامل والعزم نحو افق جديد، حيث تنتظرها ساحات العدالة ومنابر الحق. تحلم بان ترتدي رداء المحاماة الاسود، ذلك الرداء الذي يليق بمن خاضت معارك الحياة وخرجت منها مرفوعة الهامة. تتوق روحها لان تكون صوتا لمن ابتلعت اصواتهم دهاليز الظلم، ودرعا لمن كسرت ظهورهم سياط الجور. فمن ذاقت مرارة الحرمان تدرك اكثر من سواها معنى ان يُسلب المرء حقه، ومن صارعت القيود تعرف كيف تفك اغلال المقهورين. ان حواء لم تحمل شهادة الحقوق لتعلقها علی جدار، بل لتحولها الی سيف من نور تذود به عن كل مظلوم، والی ميزان لا تميله رياح الباطل. وهكذا تمضي هذه الفتاة البغدادية في رحلتها، من فتاة سُرق منها حلمها، الی محامية تصون احلام الآخرين من ان تُسرق.