د. خالد عامر الحديثي
يبقى القرآن الكريم المعجزة الخالدة التي أدهشت العقول ببلاغتها، وأبهرت القلوب بجمال بيانها، إذ جاء بأسلوبٍ فريد جمع بين قوة المعنى وروعة اللفظ ودقة التصوير. وليس البيان القرآني مجرد جمال لغوي، بل هو وسيلةٌ للتأثير والهداية وبعث المعاني حيّةً في النفس الإنسانية.
ومن أروع النفحات البيانية في القرآن الكريم التصوير الفني الذي يجعل القارئ يرى المشهد كأنه أمامه. يقول تعالى:
﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: 4]،
فلم يقل: “انتشر الشيب في الرأس”، بل صوّر الشيب نارًا تشتعل، في صورة بليغة توحي بسرعة انتشار الشيب وقوته، وتُظهر أثر الزمن والكبر.
ومن جمال التشبيه قوله تعالى:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: 5].
فقد شبّه من يملك العلم ولا يعمل به بالحمار الذي يحمل الكتب من غير أن يفهم ما فيها، في صورة تحمل توبيخًا بليغًا ومعنى عميقًا.
كما تتجلّى روعة البيان في دقة اختيار الألفاظ، قال تعالى:
﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف: 45].
فكلمة “هشيمًا” وحدها ترسم صورة التفتت والضعف والزوال، وكأن الحياة الدنيا التي اغترّ بها الإنسان قد تحولت إلى بقايا يابسة تذروها الرياح بلا أثر.
ومن اللمسات البيانية المؤثرة التكرار الذي يأتي لغرضٍ معنوي عظيم، كما في سورة الرحمن:
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾،
إذ تكررت الآية لتوقظ القلب، وتُذكّر الإنسان بنعم الله المتتابعة، في أسلوب يحمل التذكير والتأمل والتقرير.
ويظهر الجمال البياني كذلك في الإيقاع الصوتي وانسجام الفواصل القرآنية، مما يمنح الآيات وقعًا خاصًا في النفس، ويزيدها تأثيرًا وهيبةً عند التلاوة والاستماع.
ومن النفحات البيانية المشرقة في القرآن الكريم أيضًا قوله تعالى:
﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: 24].
فقد صوّر التواضع للوالدين بطائرٍ يخفض جناحه بحنانٍ ورحمة، في مشهدٍ رقيق يفيض بالعطف والبرّ.
وقال تعالى:
﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: 18].
فجعل الصبح إنسانًا يتنفس، في صورة بيانية توحي بالحياة والانبعاث والهدوء بعد ظلمة الليل، وكأن الكون كله يستيقظ بروح جديدة.
ومن روعة التصوير قوله تعالى:
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8].
ففي الآية دقة عجيبة في التعبير عن عدل الله تعالى، إذ لا يضيع عنده أصغر عمل، مهما بدا ضئيلًا في نظر الإنسان.
وقال تعالى:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: 103].
فشبّه الدين والحقيقة بالحبل الذي ينجو الإنسان بالتمسك به، وفي ذلك تصوير بليغ لمعنى الوحدة والثبات والنجاة.
ومن جمال الكناية قوله تعالى:
﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: 43].
فقد عبّر القرآن بأسلوب مهذب رفيع عن قضاء الحاجة، مما يدل على سموّ التعبير القرآني ورقّته.
وقال تعالى:
﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106].
فجعل البياض رمزًا للفرح والنجاة، والسواد رمزًا للحزن والخسران، في صورة مؤثرة تختصر حال الناس يوم القيامة.
ومن أبلغ صور الترهيب قوله تعالى:
﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: 7].
إذ شبّه الناس يوم البعث بالجراد المنتشر؛ لكثرتهم واضطرابهم وسرعة حركتهم، فتتشكل أمام القارئ صورة مهيبة عظيمة.
وفي الختام إنّ النفحات البيانية في القرآن الكريم تكشف جانبًا من إعجازه العظيم، وتؤكد أن هذا الكتاب ليس كلام بشر، بل هو كلام الله تعالى الذي جمع بين الهداية والبلاغة والجمال الخالد.