نيجيرفان بارزاني.. شرعيةُ التوازن

فينوس بابان

لم يكن وقوف رئيس إقليم كوردستان، السيد نيجيرفان بارزاني على منصة الكلية العسكرية الثانية في زاخو مجرد إجراء بروتوكولي لتوزيع الشهادات بل كان استعراضاً لـ القوة العاقلة، ففي الوقت الذي تعصف فيه التجاذبات السياسية ببغداد حول تشكيل الحكومة اختار السيد نيجيرفان بارزاني أن يطلق رسائله السياسية الأكثر حساسية من وسط ميدان العرض العسكري، ليربط بين شرعية السلاح واستقامة السياسة.
بيان القوة.. الدعم من منصة القائد العام
تحدث رئيس إقليم كوردستان بصفته القائد العام لقوات البيشمركة، وهذا الاستخدام للصفة العسكرية في سياق سياسي دعم تكليف علي الزيدي يحمل دلالة الحزم الدبلوماسي. هو يرسل رسالة لبغداد وللقوى الإقليمية بأن أربيل ليست مجرد طرف سياسي يفاوض على مناصب بل هي كيان مؤسساتي منضبط يمتلك القوة القادرة على حماية التوافقات. دعم علي الزيدي من هذا المكان يعني أن الإقليم يضع ثقله العسكري والأمني خلف خيار الدولة شريطة أن تكون دولة دستورية، إن إشارته المتكررة لشكر التحالف الدولي وربط الإصلاح العسكري بالدعم الاستراتيجي تعني أن أربيل تقدم نفسها كـ شريك معياري يلتزم بالمعايير الدولية مما يمنح مطالبها السياسية غطاءً قانونياً وأخلاقياً أمام القوى الكبرى.
المسطرة الدستورية.. شروط الشراكة لا التبعية
تحليلاً لكلمته، نجد أن رئيس إقليم كوردستان لم يكتفِ بكلمة الدعم بل قرنها بـ مراعاة الدستور إن القوات التي تحتفي بتخرجها اليوم هي الدرع الضامن لصون الدستور وحماية ثوابته. هو يضع علي الزيدي أمام مسؤولية تاريخية، فالدعم ليس شيكاً على بياض بل هو عقد مشروط بالالتزام بنظام اتحادي يحترم حقوق المكونات، حضور القناصل والبعثات الدبلوماسية في الحفل أعطى لهذا الشرط شهادة دولية محولاً خطاب التخرج إلى وثيقة سياسية دولية،
يطرح السيد نيجيرفان بارزاني رؤية قوامها التلازم الوجودي بين المركز والإقليم، حيث لا تستقيم قوة العراق دون إقليمٍ قوي ولا يستديم استقرار الإقليم دون بغداد مقتدرة، ليفكك نظرية الصراع على السيادة، مؤكداً أن البيشمركة ذراع يحمي اتحادية الدولة وعلى المركز أن يعي أن قوة الإقليم هي استثمار في أمن العراق الكلي وليس تهديداً له.
رمزية الجغرافيا.. زاخو كبوابة للسيادة والوحدة
اختيار زاخو، نقطة الالتقاء الحدودي والاستراتيجي يعزز مفهوم أربيل صمام أمان العراق، تأكيد رئيس إقليم كوردستان المستمر على توحيد البيشمركة ونبذ الحزبية داخل المؤسسة العسكرية والذي تجلى في هيئة الخريجين المنضبطة يمثل إحراجاً سياسياً للقوى التي تعتمد على السلاح المنفلت، السيد نيجيرفان بارزاني يقدم نموذجاً للمؤسسة التي تخدم الدولة، ويطالب علي الزيدي ببناء حكومة تشبه هذا الانضباط، تضمن الخطاب مكاشفة شجاعة بإقراره أن عملية توحيد البيشمركة لا تسير كما يجب، هذه المصارحة العلنية أمام البعثات الدبلوماسية هي ضغط سياسي ناعم يمارسه الرئيس لتسريع مأسسة القوة معتبراً أن وحدة السلاح هي رأس مال الدبلوماسية الكوردية التي لا يمكن التفريط بها.

أنسنة القوة.. الربط بين البندقية والرفاهية
من النادر أن يركز قائد عام في حفل تخرج عسكري على مصطلحات مثل الرفاهية والازدهار نيجيرفان بارزاني يدرك أن الأمن القومي الحقيقي لا يتحقق بالبنادق فقط بل ببطون جائعة تم شبعها وعقول تم تنويرها هو يربط نجاح الحكومة القادمة بقدرتها على تحويل الاستقرار الأمني إلى نهضة اقتصادية تماماً كما فعل في تجربة إقليم كوردستان هي دعوة لسيد علي الزيدي للانتقال من عقلية الأزمة إلى عقلية التنمية، التركيز على أن الخريجين هم حملة شهادات جامعية يعكس رغبته في ضخ دماء أكاديمية، محولاً الجندي من أداة قتالية إلى حامٍ للقيم المدنية والتعايش السلمي، ورافضاً لكل أشكال التطرف والأيديولوجيا الحزبية.
من ميدان الدفاع إلى فضاء السيادة.. اكتمال الدائرة في بغداد
إن مشاركة السيد نيجيرفان بارزاني رئيس إقليم كوردستان المرتقبة مساء اليوم في مراسم أداء القسم لعلي علي الزيدي في بغداد، تمثل عملية تزامن استراتيجي تعيد هندسة المشهد الوطني فهو ينتقل من جغرافيا الدفاع في زاخو صباحاً ليمنح الحصانة السياسية للسلطة التنفيذية في بغداد مساءً، حضور رئيس إقليم كوردستان مراسم القسم لا يُقرأ كمشاركة بروتوكولية عابرة بل كـ توقيع تاريخي على عقد اجتماعي جديد، بوقوفه المرتقب تحت قبة البرلمان ينهي السيد نيجيرفان بارزاني عصر أربيل القلقة ويُدشن عصر أربيل الضامنة لاستقرار الجمهورية مرسخاً مكانته كمرجعية قادرة على ردم الفجوات بين لغة السلاح في الميادين ولغة الدستور في البرلمان.
هندسة التوازنات.. الدور المحوري لأربيل
تجلت حنكة رئيس إقليم كوردستان في كونه الوحيد القادر على الجمع بين لغة العسكر ولغة الدبلوماسية الدولية ولغة الشراكة الوطنية، هذا المثلث يجعل منه الرقم الصعب في المعادلة، فهو لا يطلب مكاناً في الحكومة بل يحدد المعايير التي يجب أن تقوم عليها الحكومة لضمان بقائها،
يرسخ السيد نيجيرفان بارزاني هنا مفهوم القوة العاقلة، فهو المهندس الذي يربط استقرار الجغرافيا باستقرار السياسة مقدماً نموذجاً لإقليم قوي يعمل كركيزة أساسية لبناء جمهورية اتحادية قادرة على الصمود أمام العواصف الإقليمية.
في المحصلة، لم يكن السيد نيجيرفان بارزاني في زاخو مجرد قائدٍ يوزع الرتب، بل كان منظّراً للسيادة يوزع المهام على المرحلة القادمة، إن الجمع بين خطاب القوة المنضبطة في زاخو صباحاً والمباركة السياسية في بغداد مساءً يختصر فلسفة رئيس إقليم كوردستان في الحكم.. لا سياسة بلا قوة تحميها ولا قوة بلا دستور يشرعنها، لقد وضع السيد نيجيرفان بارزاني بذكائه المعهود مسطرة القياس للحكومة العتيدة، فإما عراقٌ يستلهم من تجربة الإقليم انضباط المؤسسة ورفاهية الإنسان أو استمرارٌ لدوامات التخبط التي ترفض أربيل أن تكون وقوداً لها، إن لحظة زاخو وحضور مراسم بغداد ليسا إلا إعلاناً صريحاً عن ولادة عصر الاعتدال المسلّح بالحقوق حيث أثبت بارزاني مجدداً أنه ليس مجرد طرف في المعادلة بل هو المهندس الأول للجمهورية الاتحادية الذي يرسم بريشة الدبلوماسية ملامح عراقٍ لا يقبل الانكسار.

قد يعجبك ايضا