أحمد زبير باني
حين نستعيد مأساة “نقرة سلمان”، فليس الهدف أن نبقى أسرى الماضي، بل أن نفهم كيف يمكن للتاريخ أن يعيد نفسه بأشكال مختلفة إذا لم نتعلم منه. فالقضية لم تكن يوماً مرتبطة بأشخاص فقط، بل بعقليات سياسية ترى في التنوع تهديداً، وفي الحقوق عبئاً، وفي الشراكة الحقيقية أمراً مؤجلاً.
لقد تغيّرت أدوات الضغط عبر الزمن؛ فبعد أن كانت القسوة تُمارس بالسجون والقوة المباشرة، أصبحت اليوم تُمارس أحياناً عبر الأزمات الاقتصادية، والخلافات السياسية، وتعطيل الحقوق الدستورية. وهذا ما يدفع الكثير من أبناء كوردستان إلى الشعور بأنهم ما زالوا يعيشون صراعاً مستمراً من أجل تثبيت الكرامة والشراكة العادلة داخل العراق.
تحدي البيت الداخلي
لكن التحدي الأكبر لا يأتي فقط من الخلافات بين أربيل وبغداد، بل من حالة الانقسام الداخلي التي تضعف الموقف الكوردي وتمنح الآخرين فرصة التأثير في القرار. فمن الطبيعي أن تختلف القوى السياسية في الرؤى، لكن الخلاف يصبح خطيراً عندما يتحول إلى أداة تُضعف البيت الداخلي وتُهمّش المصلحة العامة لصالح الحسابات الضيقة. إن وحدة الصف لا تعني إلغاء التعددية، بل تعني الاتفاق على الثوابت الكبرى: حماية كرامة الناس، وصون التجربة الدستورية، والدفاع عن الحقوق بعيداً عن لغة التخوين.
مسؤولية مشتركة
المسؤولية لا تقع على عاتق بغداد وحدها، بل على القوى الكوردية أيضاً. فحين ينشغل الداخل بالصراعات الحزبية، تتراجع الأولويات الكبرى وتصبح القضايا المصيرية عرضة للمساومات. إن النقد السياسي حق مشروع وضرورة، لكنه يفقد قيمته عندما يتحول إلى إلغاء متبادل. المطلوب اليوم هو بناء مساحة مشتركة تحفظ الاختلاف ضمن إطار المسؤولية الوطنية.
رسالة إلى الشباب: وعي المستقبل
إلى شباب كوردستان، أنتم الجيل الذي يحمل ذاكرة الماضي ومسؤولية المستقبل. المطلوب منكم ليس العيش داخل الخوف، بل بناء وعي سياسي يحمي هويتكم ويؤمن بالحوار. القوة الحقيقية تكمن في القدرة على بناء موقف موحد وناضج، قادر على الدفاع عن الحقوق بالحكمة والثبات. إن الأجيال الجديدة بحاجة إلى خطاب يمنحها الأمل، ويعلمها كيف تدافع عن حقوقها بثقة دون أن تنغلق على نفسها.
الخلاصة
إن استذكار “نقرة سلمان” يجب أن يكون دعوة للعدالة لا للكراهية، ولتعزيز الشراكة لا لتعميق القطيعة. التاريخ لا يحترم الشعوب التي تكرر أخطاءها، لكنه ينصف الشعوب التي تحوّل آلامها إلى وعي ومسؤولية. المعركة الحقيقية اليوم ليست مع الماضي فقط، بل مع أي عقلية تعيق بناء دولة عادلة يُبنى فيها الأمان بالشراكة لا بالإقصاء، وبالثقة لا بالخوف، وبالحوار لا بلغة الاتهام الدائم.