رمال الرافدين تشهد… دماء الأنفال التي أهدرها عجاج أسّست عرش كوردستان الدستوري

فينوس بابان

اليوم انهار جدار الزمن في محكمة الرصافة ببغداد وانحنى التاريخ إجلالاً لدموع أمٍّ كورديّة لم يكسر الجوع كبرياءها رغم أنها دفنت طفليها ملاك وكاروان في رمال نقرة سلمان اللاهبة، لم يكن المدعو عجاج أحمد حردان مجرد سجان سادي يمارس ساديته خلف جدران الصمت بل كان يمثل الرأس المدبب لرمح المنظومة الفاشية التي آمنت بأن إبادة الكورد هي الطريق الوحيد لترسيخ طغيانها، واليوم وهو يقف ذليلاً مكسور العين في قفص الاتهام لا تُحاكم شخصيته المهزوزة فحسب بل يُحاكم تاريخ كامل من الوحشية السوداء التي استباحت الأرض وحولت تراب نقرة سلمان إلى وليمة للكلاب السائبة التي كانت تنهش جثث النساء والأطفال تحت أنظار جلاد تجرد من أدنى قيم البشرية، لقد سقط القناع تماماً فباعترافه الصريح أمام جهاز الأمن الوطني أقرّ هذا المسخ بتبني سياسة التجويع الممنهج واغتصاب الفتيات الكورديات الطاهرات وتحويل جسد المرأة ولقمة عيش الرضيع إلى أدوات في آلة الإبادة. إن إقراره بمنع الطعام وتقديم الماء الملوث متعمداً، يرفع الستار عن جريمة مزدوجة إبادة عرقية مشفوعة بانحطاط أخلاقي تأنفه الوحوش، وهنا تبرز عظمة الشعب الكوردي فحين قالت تلك الأم المكلومة.. لم أذق طعم الخبز بسلام منذ موتهما جوعاً أمام عيني، وحين ترك أبٌ عرس ابنه ليواجه الجلاد كانا يثبتان للعالم أن الأنفال لم تكن مجرد رحلة للعدم بل كانت مخاضاً لوعي قومي لا ينكسر وأن هذا الوطن الذي ننعم به اليوم لم يولد في ردهات القصور بل انتُزع انتزاعاً من بين أنياب الموت.
لكن العدالة التي تتبدى اليوم في قفص الاتهام تظل عرجاء ما لم تفتح الملفات المسكوت عنها فـ عجاج لم يكن إلا اليد التي ضغطت على الزناد بينما كانت هناك منظومة دولية وشركات عابرة للقارات زودت القاتل بـ الفرن الكيمياوي الذي أحرق حلبجة ومهد للأنفال، إن محاكمة هذا الجلاد يجب أن تزلزل صمت المجتمع الدولي وتُذكر العالم بأن بقاء رفات أطفالنا في مقابر سطحية تحت رحمة الرياح والكلاب الضالة في صحراء السماوة حتى يومنا هذا هو وصمة عار في جبين الإنسانية وأنفال مستمرة لا تنتهي إلا بعودة كل رفات إلى حضن جبال كوردستان، إن عملية اقتلاع الأبرياء من قمم الجبال وزجهم في شاحنات الموت لنقلهم آلاف الكيلومترات إلى فرن نقرة سلمان كانت خطة شيطانية لإبادة الروح الكوردية قبل الجسد، ولولا عناية الخالق ثم صمود الجبال وحنكة القيادة الكوردية التي خاضت معارك دبلوماسية وقانونية ضروس لضاعت دماء أبنائنا في دهاليز النسيان لذا، فإن قيادتنا اليوم وهي تفاوض في بغداد إنما تجعل من تضحيات الأنفال ورماد حلبجة ميثاقاً غليظاً ودستورياً لا يقبل المساومة، إن مطالبنا بالتعويضات ليست منحة ميزانية بل هي استحقاق قانوني وأخلاقي يفرضه واقع أن الدولة العراقية الحالية بصفتها الوريث القانوني مطالبة ليس فقط بالقصاص من الأفراد بل بتقديم اعتذار سيادي صريح يُدرج في الدستور ويتعهد بعدم تكرار المأساة، مقروناً برعاية نفسية شاملة لأمهات لا زلن يرفضن الطعام لأن أطفالهن ماتوا جياعاً، إن كل شبر من أرض كوردستان وكل استحقاق دستوري هو دَيْن في عنق هذا التاريخ، والسياسة الكوردية اليوم هي الحارس الأمين الذي يقف سداً منيعاً لضمان عدم تكرار نقرة سلمان مرة أخرى وهي تدرك أن الثمن كان باهظاً إلى حد لا تدركه العقول.
أما الرسالة الأخيرة والقطعية لمن لا يريد لكوردستان العيش والتعايش.. انظروا جيداً إلى وجه عجاج وهو منكسر أمام صرخة أمٍّ فقدت فلذات أكبادها، إن من لم تكسره صحراء السماوة ومن لم تمحه ثماني مراحل من الأنفال لن تكسره مؤامرات سياسية معاصرة، لتعلم الدنيا أن رمال الرافدين التي لفظت أسرار عجاج اليوم هي الشاهد الأكبر على أن دماء الأنفال هي التي أسست عرش كوردستان الدستوري الشامخ، نحن شعبٌ انبعث من بين الرماد كالعنقاء ليصيغ وطناً تظل فيه صرخات الأطفال تحت الرمال هي البوصلة الوحيدة التي ترشدنا نحو الحرية المطلقة والكرامة التي لا تقبل القسمة على اثنين، كوردستان باقية كالجبل والجلادون ..مهما طال الزمن.. مكانهم الطبيعي هو مزبلة التاريخ وتحت أقدام الضحايا.

قد يعجبك ايضا