صفاء الكبيسي
شهدت بغداد منذ أيام نقاشات أكاديمية واسعة بشأن مساعٍ حكومية وبرلمانية لإيجاد حلول لآلاف الطلبة العراقيين الدارسين في إيران، بعدما اضطر كثيرون منهم للعودة إلى البلاد إثر تعطل الدراسة هناك بسبب الحرب، وبينما تطرح هذه المساعي بوصفها استجابة إنسانية لحماية مستقبل الطلبة، تتزايد المخاوف من تأثيرها المحتمل على الرصانة العلمية في الجامعات العراقية.
ويواجه معظم هؤلاء الطلبة، وبينهم عدد كبير من طلبة الدراسات العليا، إشكالية مركبة، إذ لم يتمكن كثيرون منهم من الحصول على مقاعد دراسية داخل العراق بسبب عدم استيفائهم معدلات القبول وفق الضوابط المعتمدة، ما دفعهم إلى الالتحاق بجامعات إيرانية تعرف بمرونة شروطها مقارنة بنظيراتها العراقية.
ومع عودتهم القسرية، برزت مطالبات بإيجاد حلول قانونية تتيح لهم إكمال دراستهم داخل العراق، في ظل مؤشرات إلى تدخل جهات سياسية للضغط باتجاه قبولهم، رغم تعارض ذلك مع الأطر القانونية المعمول بها.
وناقشت لجنة التعليم البرلمانية هذا الملف في اجتماع عقدته أخيرا مع وزير التعليم العالي والبحث العلمي، في إطار البحث عن آليات لإيجاد مخرج قانوني لهؤلاء الطلبة. وأوضح عضو اللجنة، النائب حيدر المطيري، في تصريح صحفي أن “معالجة أوضاع هؤلاء الطلبة تتطلب فك ارتباطهم بالجامعات الإيرانية، ولا سيما مع اقتراب نهاية العام الدراسيِ، وهو ما يستدعي موافقة الجانب الإيراني، وتسعى الوزارة إلى التنسيق بشأنه خلال المدة المقبلة”.
وأكد أن اللجنة “تعمل على وضع حلول قانونية وإدارية تتيح للطلاب استكمال تعليمهم في الجامعات العراقية، مع ضمان حقوقهم الأكاديمية وتوفير فرص عادلة لإتمام دراستهم”، مشيرا إلى أن هذا الإجراء “يأتي ضمن سلسلة من جهود الوزارة واللجنة النيابية لحماية حقوق جميع الطلبة العراقيين الدارسين في الخارج، وضمان عدم تأثر مساراتهم التعليمية بأي عراقيل إدارية أو قانونية”.
ومن جهته، كشف النائب مضر الكروي عن تقديم خريطة طريق متكاملة إلى الحكومة للتعامل مع ملف آلاف الطلبة الدارسين في الجامعات والمعاهد الإيرانية، في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها المنطقة. وأوضح في تصريحات للصحافيين أن “أبرز نقاط الخريطة تشمل تحرك وزارة الخارجية لتأمين عودة الراغبين، وإتاحة الفرصة لاستكمال الدراسة داخل الكليات الحكومية والأهلية في العراق، فضلا عن مراعاة أوضاع الموظفين الدارسين، وعدم اتخاذ إجراءات قانونية بحقهم نظرا لخصوصية المرحلة”.
وأضاف أن “الطلب قيد الدراسة حاليا في الأمانة العامة لمجلس الوزراء، وسيجري التنسيق مع وزارتي التعليم العالي والخارجية للبدء بخطوات عملية تضمن مستقبل الطلبة الدارسين في إيران”، لافتا الى أن “الهدف هو حماية المسيرة العلمية للطلبة وتوفير البدائل الآمنة لهم”.
وبينما لا تزال المقترحات قيد الدراسة لدى الأمانة العامة لمجلس الوزراء، يرى مراقبون أن التحدي الأكبر لا يكمن في استيعاب الأعداد العائدة، بل في تحقيق ذلك دون الإخلال بالمعايير الأكاديمية.
ووصف الأستاذ في جامعة بغداد محمد الخزرجي هذا التحرك بأنه “سابقة خطيرة”، ولا سيما أن الطلبة لم يستوفوا أصلا شروط القبول في جامعات البلاد. وأوضح، في تصريح لـ”العربي الجديد”، أن “الجامعات العراقية تعتمد معايير تنافسية صارمة، وأي استثناءات واسعة قد تفتح الباب أمام تراجع جودة التعليم”.
من جانبه، حذر عضو نقابة الأكاديميين العراقيين بهاء المحمدي من “ضغوط سياسية متزايدة” لتمرير حلول قد لا تكون منسجمة مع القوانين النافذة في البلاد”، مؤكداً أن “قانون أسس تعادل الشهادات والدرجات العلمية رقم (20) لسنة 2020 يضع ضوابط واضحة، من بينها تحديد مدة الانقطاع المسموح بها بما لا يتجاوز 60 يوماً في السنة الدراسية، وهو ما لا ينطبق على حالات الانقطاع الحالية”. وأضاف “تجاوز هذه الضوابط قد يقوض الثقة بمخرجات التعليم العالي في العراق”، لافتاً إلى أن “المشكلة لا تتعلق فقط بإيجاد مقاعد دراسية، بل بالحفاظ على سمعة المؤسسات الأكاديمية”.
ويعكس هذا الجدل انقساماً مجتمعياً بين من يرى ضرورة التعامل بمرونة مع أزمة الطلبة العائدين في ظل ظروف استثنائية، ومن يحذر من أن أي حلول غير مدروسة قد تتحول إلى سابقة تضعف منظومة التعليم على المدى الطويل. وفي ظل غياب قرار حاسم حتى الآن، يبقى الملف مفتوحاً على احتمالات متعددة، تراوح بين تبني حلول استثنائية مؤقتة أو الإبقاء على الضوابط الحالية، ما يضع الحكومة أمام معادلة دقيقة بشأن إنقاذ المسار التعليمي لآلاف الطلبة دون المساس بأسس الرصانة العلمية التي تشكل عماد التعليم العالي في البلاد.