بقلم نوري جاسم
حين نتأمل الصورة الشائعة لحركة الأرض حول الشمس، نكاد نراها دائرة بسيطة مغلقة، وكأننا نعود إلى النقطة ذاتها كل عام، غير أن هذه الصورة التعليمية، على بساطتها، تخفي وراءها واقعًا أكثر عمقًا وتعقيدًا. فالأرض بالفعل تدور حول الشمس في مدار إهليلجي (بيضاوي) كما بيّنه علم قوانين كبلر، وهذا المدار هو المرجع الصحيح لوصف الحركة داخل النظام الشمسي. لكن الصورة لا تكتمل إلا إذا أدركنا أن الشمس نفسها ليست ساكنة، بل تتحرك بسرعة كبيرة داخل مجرة درب التبانة، حاملة معها الكواكب كلها في رحلة مستمرة عبر الفضاء.
هنا يبدأ التصحيح العلمي المهم: إن القول الشائع بأن الأرض “تسير خلف الشمس في مسار حلزوني كالسّوستة” هو تبسيط مفرط، بل مضلل جزئيًا. ذلك أن الكواكب لا “تنجرف” خلف الشمس كما لو كانت ذيولًا، بل تتحرك في مدارات مستقرة حولها بفعل الجاذبية، بينما تتحرك الشمس بدورها في مسارها المجري. وعند جمع الحركتين معًا، لا نحصل على حلزون منتظم، بل على مسار مركب أقرب إلى تموّج متقدم، نتيجة تداخل الحركة المدارية مع الحركة الانتقالية داخل المجرة. إن هذا الفهم الدقيق يعيدنا إلى أساس في الجاذبية، حيث تبقى العلاقة بين الشمس والكواكب محكومة بتوازن دقيق بين السرعة وقوة الجذب، لا بمجرد “اتباع” بسيط في الفضاء.
ومع ذلك، تبقى الحقيقة الأهم: أننا لا نعود إلى النقطة نفسها في الكون، فالمكان الذي كانت فيه الأرض قبل عام قد تغيّر لأن النظام بأكمله يتحرك. نحن إذًا في رحلة كونية دائمة، لا تعرف السكون، وهذا ما يجعل مفهوم “العودة” نسبيًا، مرتبطًا بإطارنا المحلي لا بالفضاء الواسع. ومن هنا يمكن أن نفهم دقة التعبير القرآني في قوله تعالى: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا)، فالفعل (تجري) يعبّر عن حركة مستمرة، دون أن يقيّدها بشكل هندسي محدد، وهو ما ينسجم مع ما يكشفه العلم الحديث من أن الحركة الكونية ليست خطًا بسيطًا ولا دائرة مغلقة، بل منظومة ديناميكية معقدة.
إن إدراك هذه الحقيقة لا يضيف فقط معرفة علمية، بل يفتح أفقًا تأمليًا عميقًا؛ فنحن لسنا ساكنين كما نظن، بل مسافرون في كون متحرك، نحمل معنا تاريخنا ولحظتنا الحاضرة نحو مستقبل لا نعود فيه إلى الوراء. إنها رحلة لا تعود، حيث تتحول الدائرة في وعينا إلى مسار مفتوح، ويتحوّل الثبات إلى وهم، بينما تبقى الحركة هي الحقيقة الكونية الكبرى التي تنتظم بها الحياة والوجود وهي تعبر بقوة عن عظمة الخالق العظيم الله جل جلاله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..