سعيد مموزيني
عندما نتحدث عن الثورة والحرب، فإننا نقف أمام مفترق حاسم بين طريقين لا يلتقيان. فليس كل من حمل السلاح ثائرًا، ولا كل من خلا من السلاح عاجزًا؛ إذ قد يكون الأعزل أكثر ثوريةً وصدقًا من مسلحٍ فقد البوصلة. لقد أثبت التاريخ أن جماعاتٍ مسلحةً كثيرة بدت قويةً في ظاهرها، لكنها كانت خاوية الفكر، تمارس القمع والنهب وسفك دماء الأبرياء، كما فعل تيمورلنك وهولاكو ونادر شاه أفشار، وغيرهم ممن خلدهم التاريخ بوصفهم نماذج للبطش لا للبناء.
إن ما تواجهه كوردستان اليوم ليس مجرد تحديات خارجية، بل أزمة داخلية تتجلى في ضعف الوحدة الكوردية. فالأعداء لا يحتاجون إلى قوةٍ مفرطة بقدر ما يحتاجون إلى شقّ الصف وتمزيق الإرادة، عبر سياسات التفريق والهيمنة. ومن هنا، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في قوة الخصم، بل في تشتت الذات. فالأمة التي تفقد وحدتها، تفقد قدرتها على الفعل والتأثير، وتتحول من قوةٍ فاعلة إلى ساحةٍ للصراع.
نحن اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة، في ظل صراعاتٍ دولية متشابكة تلقي بظلالها على جنوب كوردستان. وفي خضم هذه التحولات، تصبح الوحدة ليست خيارًا، بل ضرورة وجودية. فالتاريخ لا ينتظر المترددين، ولا يرحم المتفرقين. وإذا لم تتوحد الإرادة الكوردية اليوم، فمتى يكون ذلك؟
إن التاريخ سيسجل موقفًا واضحًا لا لبس فيه: سيحاسب أصحاب القرار والنفوذ على تقاعسهم، لا الجماهير المهمشة التي أُقصيت أصواتها رغم امتلاكها الوعي والرؤية. فالمسؤولية التاريخية تقع على من بيده القرار، وعلى من يملك القدرة على التغيير.
السياسة ليست شعارات تُرفع، بل إرادة تُصاغ في خطط، وتُترجم إلى أفعال لحماية الوطن وصيانة مستقبله. قد تحسم الأسلحة الحديثة نتائج المعارك، لكن العقول الواعية هي التي تحسم مسار التاريخ. والانتصار الحقيقي لا يُقاس بلحظةٍ عابرة في ميدان الحرب، بل يُقاس بقدرة الأمة على البقاء والخلود في سجل التاريخ.
إن الخلود هو الانتصار الأعظم، وهو ما تصنعه الأمم التي تدرك موقعها في التاريخ، وتؤمن بأن القوة ليست في السلاح وحده، بل في الوعي والوحدة والإرادة. فلا يمكن لأمةٍ أن تخوض معاركها في الظلام؛ إذ إن التاريخ والفلسفة هما نور الحقيقة، وهما البوصلة التي تهدي الشعوب في أحلك الظروف.
وفي الختام، فإن كوردستان اليوم أمام خيارٍ لا يحتمل التأجيل: إما الوحدة وصناعة المستقبل، أو التشتت والوقوع في دوامة التاريخ القاسي. والتاريخ، كما نعلم، لا يكتب إلا بأيدي الأقوياء… أقوياء الإرادة، لا السلاح.