عنوان المسرحية:
—
بقلم : د ابراهيم احمد سمو
الشخصيات:
المجنون (العامل البسيط)
الراوي
أحد أبناء المجنون
رجل من “العقلاء”
صوت داخلي (يمثل الفكر)
جمع من الناس
المشهد الأول: الشارع
(إضاءة خافتة، صوت خطوات متقطعة. المجنون يسير ببطء، يحدّث نفسه، ينظر إلى الفراغ.)
المجنون:قد أموت… نعم، قد أموت وتبقى في داخلي غصّة… غصّة لا تزول… لأنني لم أستطع ردّ الاعتبار… ولم أرفع الظلم عن جارنا القديم…
(يصمت لحظة، ثم يبتسم ابتسامة غامضة)
هل سمعني أحد؟ أم أن الكلمات تموت قبل أن تصل؟
الراوي:كان رجلاً بسيطًا… عاملًا لا يعرف من الدنيا إلا تعبها، ولا من الناس إلا وجوههم المتغيرة. لكن في داخله، كان يسكن عالم آخر… عالم لا يفهمه الكثيرون. كان يحمل همًّا لا ينام، وذكرى لا تغيب، ووجعًا لا يُقال.
ومع مرور الأيام، وكثرة حديثه مع نفسه، بدأ الناس ينظرون إليه بعين مختلفة. لم يسألوه عمّا بداخله… بل أطلقوا عليه حكمهم السريع: “مجنون”.
المشهد الثاني: تجمع الناس
(مجموعة من الناس يقفون، يتهامسون)
أحد الناس:هل رأيتموه اليوم؟ كان يتحدث إلى الهواء!
آخر:إنه مجنون… لا شك في ذلك.
ثالث (بشيء من التعاطف):لكنه لم يؤذِ أحدًا… لم نره يومًا يسيء لأحد.
الرجل العاقل (بابتسامة ساخرة):الجنون ليس في الأذى فقط… الجنون أن يعيش الإنسان خارج ما اعتدنا عليه.
المشهد الثالث: مواجهة صامتة
(المجنون يجلس على الأرض، يلمس خده)
الراوي:وإذا سُئل عمّن يحب… لم يتكلم كثيرًا. فقط كان يشير إلى خده، حيث أثرٌ صغير… كأنه وشم خفي، أو علامة تختصر حكاية كاملة.
أحد الناس:ما هذا الأثر؟
المجنون (بهدوء):هذا… نيشان.
أحدهم:نيشان ماذا؟
المجنون:نيشان من أحببت… أو ربما من فقدت… أو من بقي في داخلي ولم يغادر.
(يصمت الجميع)
المشهد الرابع: الصوت الداخلي
(إضاءة مركّزة على المجنون، يظهر صوت داخلي)
الصوت الداخلي:أأنت مجنون حقًا… أم أنهم لا يحتملون صدقك؟أأنت تائه… أم أنهم يخافون من وضوحك؟أخبرني… من المجنون؟ من يحمل وجعه ويعلنه؟ أم من يخفيه حتى يختنق؟
المجنون (بصوت منخفض):أنا فقط… لم أستطع أن أنسى.
المشهد الخامس: المفارقة
(يدخل الرجل العاقل)
الرجل العاقل:نحن العقلاء… نعرف كيف نعيش. نطرق الأبواب الصحيحة، ونختار الطرق الآمنة.
المجنون (ينظر إليه):وهل وجدتم ما تبحثون عنه؟
(يصمت الرجل)
المجنون:أنا لم أطرق إلا بابًا واحدًا… ولم أجد خلفه إلا وجعًا. لكنني على الأقل… لم أخن ذلك الباب.
المشهد السادس: النهاية
(إضاءة خافتة، صوت جنازة)
الراوي:مات المجنون… العامل البسيط… مات وهو يحمل لقبه الثقيل، لكنه ربما لم يكن ثقيلًا عليه كما كان على الآخرين.
رحل كما عاش… غارقًا في عالمه، صادقًا مع ألمه، وفيًا لذكرى لم يتخلَّ عنها.
ترك خلفه أبناءً كبروا… عملوا، ونجحوا، وصاروا أسماء تُذكر. أما هو… فقد صار اسمًا يُنسى… إلا في مكان واحد.
المشهد السابع: المقبرة
(صمت مهيب، صوت ريح خفيفة)
الراوي:في مدينة الأموات… حيث لا ضجيج، ولا أقنعة… فقط صمت صادق.
نزوره أحيانًا… لا لأننا نعرفه جيدًا، بل لأننا بدأنا نفهمه متأخرين.
على قبره… كتبنا وصيته:
“قد أموت وتبقى في داخلي غصّة… لأنني لم أستطع ردّ الاعتبار…”
المشهد الثامن: أبناء الفكر
(إضاءة على الراوي)
الراوي:أما نحن… أبناء الفكر والقلم…نكتب…نحلل…نبحث في المعاني…
لكننا…نخاف.
نخاف أن تُقال كلماتنا بصوت عالٍ.نخاف أن تُفتح الأبواب أو تُغلق.نخاف حتى من أفكارنا أحيانًا.
نكتب… لكن بحذر.نحلم… لكن بصمت.نعيش… لكن بنصف حرية.
المشهد التاسع: الذروة
(يظهر صوت المجنون كصدى)
صوت المجنون:أنا لم أكن مجنونًا…أنا فقط… كنت حرًا.
الصوت الداخلي:الحرية… هي الجنون الذي لا يحتمله العالم.
المشهد الأخير: الخلاصة
الراوي:هنا تكمن المفارقة…
ذلك العامل البسيط…الذي لم يعرف طريق العلم ولا القلم…عاش حرًا…حتى وإن بدا ذلك للآخرين جنونًا.
ومات… وهو يحمل حريته كاملة.
أما نحن…فنحمل عقولًا واسعة…لكننا نعيش داخل أقفاص ضيقة.
نحسب خطواتنا…نزن كلماتنا…ونخفي أكثر مما نظهر.
الراوي (بصوت عميق):لعل الجنون… ليس خللًا في العقل…بل شجاعة في الروح.
ولعل العقل… ليس دائمًا حكمة…بل أحيانًا قيدٌ مُهذّب.
فاحذر…أن تفقد حريتك…
لأنك حينها…قد تعيش عاقلً