مصطفى حسين الفيلي
في العتمة، حيث يختفي العالم الخارجي وتبقى الشاشة وحدها مضيئة، لا نكون مجرد مشاهدين. نحن داخل تجربة كاملة تُعاد فيها صياغة مشاعرنا، وربما أفكارنا أيضاً. لكن ما إن تنتهي، ويعود الضوء، حتى يبرز السؤال القديم هل تغيّرنا فعلاً؟ أم أن كل ما حدث لم يكن سوى انفعال مؤقت سرعان ما يتلاشى؟
السينما لم تكن يوماً مجرد وسيلة ترفيه. منذ بداياتها، وهي تحاول أن تفهم الإنسان، وأحياناً أن تعيد تشكيله. هناك أفلام لا تكتفي بسرد قصة، بل تضعنا في مواجهة مباشرة مع ذواتنا، تدفعنا لنشعر بما لم نختبره، ونرى ما لم نره. في تلك اللحظات، يبدو أن الفيلم يمتلك قدرة حقيقية على التغيير.
لكن القناعات الإنسانية ليست هشّة إلى هذا الحد.
هي ليست فكرة طارئة يمكن استبدالها بسهولة، بل بناء متكامل تشكّل عبر سنوات من التجارب والبيئة والوعي. لذلك، من النادر أن يأتي فيلم واحد مهما بلغت قوته ليقلب هذا البناء دفعة واحدة. ما تفعله السينما غالباً هو شيء أدق وأكثر عمقاً تُحدث شقاً صغيراً في جدار صلب.
وهذا الشق، رغم صغره، هو البداية.
الفيلم لا يطلب منك أن تغيّر رأيك، بل يجعلك تشعر.
يدخلك في حياة أخرى، يضعك داخل تجربة لا تخصك، ثم يتركك تواجه انعكاسها داخلك. قد لا تتبنى الفكرة، لكنك لم تعد كما كنت قبلها تماماً. شيء ما تحرّك، ولو بشكل خفيف.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل حقيقة أن كثيراً من التأثيرات السينمائية تبدو عابرة. نخرج من الفيلم محمّلين بمشاعر قوية حماس، حزن، تأمل ثم تبدأ هذه المشاعر بالتلاشي تدريجياً مع عودة إيقاع الحياة اليومية. بعد أيام قليلة، نكتشف أننا عدنا إلى أنفسنا القديمة، وكأن شيئاً لم يحدث.
فهل كان التأثير وهماً؟
ليس وهماً، بل تأثير غير مكتمل.
يشبه شرارة صغيرة لا تكفي لإشعال النار وحدها، لكنها تظل كامنة، تنتظر ما يكمّلها: تجربة شخصية، موقف حقيقي، أو حتى عمل فني آخر. عندها فقط، يتحول ذلك الأثر البسيط إلى تغيير فعلي.
السينما لا تغيّر الإنسان بشكل مباشر، ولا تفرض عليه قناعات جديدة.
هي تفعل ما هو أذكى من ذلك: تزرع الأسئلة.
تفتح باباً لم يكن موجوداً، وتتركه موارباً.
وربما هنا يكمن سرها الحقيقي.
نحن لا نتغير عندما نتلقى إجابات جاهزة، بل عندما تبدأ الأسئلة بالظهور.
والفيلم الجيد لا يمنحك يقيناً… بل يتركك في حالة شك.
ذلك الشك، الذي قد يبدو عابراً في البداية،
قد يكون مع الوقت أول خطوة نحو التغيير.