ماهين شيخاني
في بلاد بعيدة، غير مرسومة على الخرائط، تقع جمهورية تُعرف بـ”أرض الشعارات”، حيث تُوزّع المناصب كما تُوزّع كؤوس الشاي في المضافات.
كان “رشوان” مجرد سائق. رجل بوجه غامض لا يضحك ولا يغضب، يتقن الصمت كما يتقن الانعطاف. يقود زعماء حزبه القديم إلى اجتماعاتهم الليلية في أزقة متاهة تُسمى “العمل السري”، حيث الكلمات تُقال همساً، والقرارات تُكتب على أوراق لا تُحفظ.
في إحدى الليالي، توقّف الزمن. اختفى الزعماء كما يختفي البخار. بعضهم غرق في طموح شخصي، والبعض الآخر ذاب في حقائب المال. بقي رشوان وحده أمام مقر الحزب، كأنه البوّاب الأخير في مسرحية أُسدل عليها الستار.
لم يتردد. ارتدى معطف الزعيم الذي نسيه أحدهم، وعلّق شارة حمراء على صدره، ثم دخل المكتب، جلس على الكرسي الدوار، وقال للمرايا المعلقة:
– من اليوم… أنا الحزب.
ما إن أعلنها، حتى بدأت المعجزات. ظهرت صفحات إلكترونية تُبارك له. أحزاب صغيرة بأسماء من نوع “النسر الاشتراكي الكوردي المتجدد” أو “جبهة الوحدة الديمقراطية للشرق الصامد” نشرت صوراً له مبتسماً، وبين يديه باقة ورود اصطناعية.
“نبارك للرفيق التاريخي نجاحه الباهر”، كتب أحدهم.
“هذا هو القائد الذي انتظرناه”، قال آخر.
بينما الحزب الذي شكّله لم يكن يتعدى عدد أعضائه عدد عجلات السيارة التي كان يقودها.
المضحك – أو المبكي – أن كل أولئك الذين باركوا له، لديهم قصص مشابهة: ساعي بريد أصبح ناطقاً رسمياً، حلاق صار منسقاً قومياً، وشخص لا يُجيد القراءة يشرف على قسم التثقيف الفكري.
وفي خضمّ هذا الكرنفال، خرجت مجموعة شبابية تسأل:
– من هم هؤلاء؟ من أوصلهم؟
فأتاهم الجواب من أحد الحكماء:
– إنهم حرس الباب الخلفي للتاريخ. يقفون هناك حتى يسقط العرش… فيسرقونه!
ظل رشوان يحكم حزبه، يصدر بيانات، يوزّع مناصب وهمية، ويُعيّن نفسه كل عام في مؤتمر داخلي لا يحضره سوى ظله.
في النهاية، كتب على باب مقره عبارة نهائية:
“السيارة كانت وسيلتي، والفراغ كان طريقي… أما الزعامة، فهي قدر لا يُناقش.”