غرب كوردستان: أرض مسروقة بخطوط الاستعمار

هل كانت كوردستان سوريا “ضمنت” أم “اقتُلعت”؟

قبل أن نبدأ، لنفرق بين مفهومين غالباً ما يُخلط بينهما:

·( الضم ): استيلاء قسري على أراضٍ كانت تابعة لدولة أو كيان معترف به، وفرض السيادة عليها بالقوة.
· ( الاستعادة ): استرجاع سيادة على أراضٍ كانت جزءاً تاريخياً من الدولة، بعد فترة من الانفصال أو الاحتلال.

الفرق ليس مجرد دقة لغوية، بل هو معركة روايات. فالمنظور الكوردي لا يرى في ضم كوردستان سوريا إلى الدولة السورية “استعادة” لأراضٍ عربية، بل هو فصل عن كيانه الطبيعي التاريخي.

غرب كوردستان: اسم رسمي .. تاريخ

ليس “روج آفا” (Rojava) مجرد مصطلح سياسي وُلد في زمن الحرب السورية، بل هو تسمية تاريخية موثقة. فغرب كوردستان هو أحد الأجزاء الأربعة التي يتكون منها مفهوم “كوردستان الكبرى” ، إلى جانب كوردستان تركيا ،شمال كوردستان (باكور)، وكوردستان إيران (Rojhilat)، وكوردستان العراق (Başûr). هذا التقسيم الرباعي ليس وليد اليوم، بل هو جزء من الوعي الجغرافي والثقافي للشعب الكوردي.

كوردستان الكبرى: الحلم والجغرافيا

تشير الأدلة التاريخية والجغرافية إلى أن مفهوم كوردستان الكبرى يعود إلى قرون. ففي إحدى الخرائط التي تعود إلى عام 1722، ظهرت تسمية “كردستان” في المنطقة، وهي خريطة تعود لحقبة سابقة بكثير للصكوك الاستعمارية التي أعادت رسم المنطقة. وبحلول نهاية القرن التاسع عشر (عام 1897)، كانت خريطة كوردستان الكبرى تمتد عبر مناطق واسعة من غرب إيران، وشمال العراق، وجنوب شرق الأناضول، والجزيرة الفراتية، وهي الأرض التي تعرف اليوم بشمال سوريا.

هذا الامتداد جعل المنطقة عراق وسوريا كلها جزءاً من كوردستان الكبرى في ذلك التصور التاريخي. لذلك، فإن فكرة أن شمال سوريا هو جزء فُصل عن هذا الكيان الجغرافي الطبيعي، فكرة تاريخية وليست مبتدعة.

الطعنة الأولى: اتفاقية سايكس بيكو (1916)

ربما كانت اللحظة الأكثر فداحةً في التاريخ الحديث هي تلك التي جلس فيها دبلوماسيان، مارك سايكس البريطاني وفرانسوا جورج بيكو الفرنسي، ليُرْسِما خرائط جديدة للشرق الأوسط. لقد قام الإثنان، في اتفاقية 1916 السرية، بشطب الوجود الكوردي بالكامل من الحسابات، وقسّموا أراضي وولايات كوردستان بين أربع دول هي تركيا وإيران والعراق وسوريا. جزء كبير من ولايات كوردستان، بما فيها مناطق واسعة في شمال سوريا (منطقة الجزيرة الفراتية)، تم ضمها إلى مناطق النفوذ الفرنسي التي ستصبح لاحقاً سوريا الكبرى. هذه الخريطة الاستعمارية جعلت أراضي الدولة الكوردية المحتملة تتجزأ بين دول جديدة، كان من المقرر أن تصبح تركيا وسوريا والعراق جزءاً منها.

الفرصة الضائعة: معاهدة سيفر (1920)

بعد الحرب العالمية الأولى بدا الأمر أن العدالة قد تنصف الكورد. معاهدة سيفر (10 آب 1920) هي أول معاهدة دولية تعترف بحقوق الشعب الكوردي في تقرير المصير. المواد 62 و63 و64 من المعاهدة نصّت على تشكيل لجنة لتنظيم حكم ذاتي للكورد في الولايات التي كانت تضم مناطق كوردستان. كانت حدود كردستان في معاهدة سيفر محددة على أساس عرقي، وتمتد من زاخو شمالاً وصولاً إلى مناطق كانت ستشمل أجزاءً من سوريا. هذه المعاهدة، لو طُبقت، لكانت قد شكلت نواة دولة كوردية موحدة في الأجزاء الأربعة.

الطعنة الثانية والنهائية: معاهدة لوزان (1923)

لكن الفرصة ضاعت بسرعة. فبعد انهيار الأحلام الكوردية، ألغت معاهدة لوزان في عام 1923 كل بنود معاهدة سيفر المتعلقة بالكورد، ورسمت الحدود النهائية لدول الشرق الأوسط الحديثة، منهيةً بذلك أي حلم حقيقي بدولة كوردية مستقلة. بعد هذه النقطة، تم دمج المناطق الكوردية في سوريا قسراً في الدولة السورية الجديدة، في إطار ما يُعرف بـ”حزام عربي” يهدف إلى تغيير التركيبة السكانية لضرب الوجود الكوردي.

الخلاصة: ضمّت أم استُعيدت؟

بعد كل ما سبق، السؤال هو: هل يمكن اعتبار عودة هذه الأراضي إلى حظيرة الدولة السورية “استعادة”؟

من وجهة النظر الكوردية، الإجابة هي لا.
لأن هذه الأراضي لم تكن أبداً عربية خالصة لتُستعاد؛ بل كانت جزءاً من وطن كوردي أكبر، تم اقتطاعه وضمه بفعل الاحتلال والإرادة الاستعمارية ضد إرادة شعبه. ضم “كوردستان سوريا” إلى الدولة السورية ليس استعادة لشرعية تاريخية، بل هو استمرار لظلم سياسي واقتطاع جغرافي. وبالتالي، فإن أي حكومة جديدة “تستعيد” هذه المناطق لا تفعل أكثر من استمرار لفعل الضم الأول.
* ماهين شيخاني.

قد يعجبك ايضا