الأستاذ الدكتور باقر الكرباسي

محمد علي محيي الدين .. الأديب الموسوعي

فيما كان العراق يشرف على منعطف بالغ الأهمية في تاريخه إثر قيام الحرب العالمية الثانية، كان الأدب العراقي يمر بفترة إرهاص شديدة القسوة والعمق فكان أدباً تقليديا يخلو من الفن والصورة، وجاء الخمسينيون فحسنوا بعض الشيء من الأدب والفن، ولكن الجيل الستيني خرج بأطر جديدة فهو جيل إشكالي استطاع أن يكرس آليات ومفاهيم جديدة على مجمل الإبداع العربي، فتح محمد علي محيي الدين عينه واعياً على هذا الجيل الإشكالي فما كان منه ألا أن يجلس بين أوراقه وكتبه في مكتبة وصفها الـشاعر قــائلاً:
مـــكتبة فــي غــرفــة مـــربعــة ضــيقة ولــم تـــكن متـــسعة
أقضي الشهور والفصول الأربعة فيــها وحولي كتبــي مــجتمعة
أواصــل اللـــيل والنـــهار مـــعاً ســيان عنــدي سبتها والــجمعة
وعــندي يقين بأن أبا زاهد يقول: وفـي مكتبتي متعتي ورياضتي الــنفسية والــعقلية وصعب علي أن أفقد متعتي التي صبغت حياتي، منذ نعومة أظفاره كتب الخواطر واللوحات الشعرية وكان فرحاً جداً عندما نشرتها له بعض الصحف والمجلات العراقية، ومن هنا بدأت علاقته وتوجهه نحو المعرفة، ترك المدرسة وهو في الإعدادية لظروف اقتصادية، فلم ينقطع عن التعليم المعرفي إذ ثقف نفسه بنفسه، يقرأ ويبحث ويكتب إن فاتته المدارس لكنه عوضها بالاجتهاد والقراءة الحرة، نشأ في بيئة عراقية تتنفس الطيبة والكدح، يقول توماس مان: (إن حياة أي إنسان هي ليست حياته فقط بل حياة جيله وعصره)، فبدأ وهو في وعي يعرف ما يريد مع سلامه موسى وشبلي شميل وعلي عبد الرازق وذهب أبعد من ذلك فعمل صداقة مع التراث العربي وما قاله الجاحظ وأبو حيان التوحيدي وما في التراث من درر جعلته يسبح في أعماق اللغة ويغوص في الأفكار، وهنا أصبح ابن محيي الدين يبحث عن الحقيقة من خلال تلك القراءات المعمقة حتى وصل إلى تبني فكر تقدمي يضعه في أدب مستقبلي مائز، فكتب وجرب قلمه حتى قويت عبارته وأصبحت له لغته الخاصة، ومن البديهي اذا أبدى شخص درجة عالية من المثابرة على أداء عمل يغلب عليه الطابع المعرفي فإننا نستطيع وبدرجة عالية من اليقين أن نتنبأ بأن سيكون مثابراً في عمل كتابي مثمر، وهذا ما وجدته في أديبنا محمد علي محيي الدين، فالحديث عنه يعني الحديث عن لحظة استثنائية في تاريخ الثقافة الحلية والعراقية وهو يصنع له حيزاً ثقافياً خاصاً به، عرف أبو زاهد بعراقيته فهو وطني عاشق للعراق وأهله، اتسعت مجالات اهتمامه بين الشعر والسيرة والتاريخ والسياسة، سيرته مثال للإبداع فكلما ارتفع صوت الإبداع أزيح جزء من الظلام، المشروع الذي يفتخر به دائماً هو عمله الكبير بجمع آلاف الصفحات من الموروث العراقي الدارمي والموال والأبوذية والحكايات الشعبية والعادات والتقاليد فكانت عنايته به كبيرة مع نشره بعد التغيير الذي حصل في العراق، ناضل محمد علي محي الدين وما زال من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية، وهو يذكر دائماً الأحرار الذين حملوا صلبانهم على ظهورهم من أجل الكلمة الطيبة والفكرة الخيرة ومن أجل حياة أفضل للإنسان.
كان أبو زاهد وما زال نشطا في الكتابة والحضور والتأثير، ففي الكتابة أصدر اثني وثلاثين کتاباً توزعت على أنواع من المعرفة وهي إصدارات يشار لها بالبنان، أما حضوره الفاعل في المهرجانات والندوات الثقافية في انحاء العراق كافة تدل على ما يحمله من شخصية أدبية وثقافية يحترمها الآخرون، وأرى في تأثيره بالآخرين وهو يحمل فكراً تقدمياً یؤكد فيه بأن في کل زمان ومكان تهوى المعاول الحمقى من أيدي الجهلة والجلادين لتقطف الرؤى المثمرة المفكرة مردداً قول الجواهري.
لثورة الفكر تاريخ يحدثنا بأن ألف مسيح دونها صلبا
أمــا منهجه به فــي البحث التاريخي يــقوم عـلى مراجعة الأصــول وتدقيق المراجع ومطابقة الوثائق مع أصولها والاتصال بأصحاب العلاقة وصانعي الأحداث، كل ذلك جعله يكتب تاريخاً ناصفاً مقروءاً، والذي ألحظه في المدة الأخيرة عند أبي زاهد كتابته السيرية عن الشعراء والكتاب والأدباء من الذين يعرفهم ومن لهم تأثير في الثقافة العراقية، وأجزم أنني لم أكتب إلا قليلاً مما كتبه أخي الباحث المبدع الأستاذ نبيل الربيعي عن الأديب الموسوعي محمد علي محيي الدين.

قد يعجبك ايضا