محمد علي محيي الدين
رغم أن صحيفة التآخي لم تكن أولى الصحف الكوردية في العراق،إذ سبقتها تجارب صحفية متعددة صدرت في كردستان وباللغة الكوردية منذ بدايات القرن العشرين، فإنها احتلت مكانة متقدمة ومتميزة في تاريخ الصحافة العراقية الحديثة، لا بسبب عمرها الطويل فحسب، بل لما مثّلته من تحوّل نوعي في الخطاب الإعلامي الكوردي والعراقي على حد سواء. فقد جاءت ولادتها في ظرف سياسي معقّد، كانت فيه البلاد تعيش حالة من التوتر وعدم الاستقرار نتيجة الصراع المستمر بين الحكومات العراقية المتعاقبة والحركة الكوردية، وهو صراع لم يكن عسكرياً فقط، بل كان أيضاً صراعاً في الرؤية والهوية ومستقبل الدولة العراقية.
لقد شكّل اتفاق 29 حزيران 1966 بين حكومة الرئيس عبد الرحمن محمد عارف والقيادة الكوردية محطة مفصلية في هذا السياق، إذ أتاح فرصة لالتقاط الأنفاس بعد سنوات من المواجهات، وفتح الباب أمام محاولة إعادة صياغة العلاقة بين الطرفين على أسس أقل صدامية. ومن بين ما أفرزه هذا الاتفاق، ولو بشكل غير مباشر،فسحة محدودة من حرية التعبير، أتاحت التفكير بإطلاق مشروع إعلامي يعكس وجهة نظر الحركة الكوردية، ويخاطب في الوقت ذاته المجتمع العراقي بكل مكوناته. هنا برزت الحاجة إلى صحيفة لاتكتفي بالدفاع عن القضية الكوردية، بل تقدّمها بلغة سياسية عقلانية، وتضعها في إطارها الوطني العام، بعيداً عن الانغلاق أوالخطاب الحاد.
في هذا السياق، جاء تكليف الملا مصطفى البارزاني لصالح اليوسفي بتأسيس صحيفة “التآخي”، وهو اختيار لم يكن اعتباطياً، بل استند إلى ما كان يتمتع به اليوسفي من خبرة سياسية وثقافية، إضافة إلى شخصيته المتوازنة القادرة على الجمع بين الصلابة في الموقف والانفتاح في التفكير. فقد كان اليوسفي من جيل الرواد الذين خاضوا التجربة النضالية منذ وقت مبكر، وشارك في تأسيس التنظيمات السياسية الكوردية الأولى، قبل أن يكون أحد المؤسسين البارزين للحزب الديمقراطي الكردستاني عام1946. كما عُرف عنه إيمانه العميق بوحدة العراق، واعتباره أن تحقيق الحقوق القومية للشعب الكردي لا يتناقض مع الانتماء الوطني، بل يعززه.
لم يكن تأسيس صحيفة في بغداد آنذاك أمراً سهلاً، فالعاصمة كانت تخضع لرقابة سياسية وأمنية مشددة، كما أن المناخ العام لم يكن خالياً من الشكوك المتبادلة بين السلطة والحركة الكوردية. ومع ذلك، أصرّ اليوسفي على أن يكون مقر الجريدة في بغداد، إدراكاً منه لأهمية الحضور في مركز القرار السياسي والثقافي، ولإمكانية التأثير في الرأي العام العراقي الأوسع، وليس الاكتفاء بالجمهورالكردي في مناطق كوردستان. وهكذا انتقل مع عائلته إلى العاصمة،ليبدأ العمل على تأسيس صحيفة جديدة، في ظل ظروف معقدة تتطلب الكثير من الحذر والمرونة في آن واحد.

منذ البداية، وضع اليوسفي تصوراً واضحاً لطبيعة “التآخي”، فهي ليست مجرد لسان حال لحزب سياسي، ولا منبراً دعائياً ضيق الأفق، بل صحيفة ذات رسالة وطنية، تسعى إلى بناء جسورالتواصل بين الكورد وبقية مكونات الشعب العراقي. ولذلك حرص على أن تكون صفحاتها مفتوحة لمختلف الأقلام، وأن لا تُختزل في خطاب أحادي. وقد انعكس هذا التوجه في طبيعة المواد المنشورة،التي تنوعت بين المقالات السياسية والتحليلات الفكرية والمواد الثقافية والأدبية، ما منح الجريدة طابعاً شاملاً جعلها قريبة من مختلف الشرائح.
كما تميّزت “التآخي” بلغتها الهادئة والمتزنة، التي سعت إلى تقديم القضية الكردية بوصفها قضية حقوق مشروعة، وليست صراعاً وجودياً مع الدولة أو مع بقية المكونات. وقد لعب هذا الأسلوب دوراً مهماً في كسب تعاطف قطاعات واسعة من المثقفين والسياسيين العرب، الذين وجدوا في الجريدة مساحة للحوار والتعبير، بعيداً عن الاستقطاب الحاد الذي كان يطبع الحياة السياسية آنذاك. ولم يكن مستغرباً أن تستقطب “التآخي” عدداً كبيراً من الكتّاب العرب،بحيث تجاوز حضورهم في بعض الفترات حضور الكتّاب الكرد، وهو ما يعكس طبيعة المشروع الذي أراده اليوسفي: مشروعاً عراقياً بامتياز، ينطلق من خصوصية كردية، لكنه لا ينغلق عليها.
ولتعزيز هذا التوجه، عمل اليوسفي على إصدار ملحق باللغة الكوردية إلى جانب الجريدة العربية، بما يحقق توازناً بين مخاطبة القارئ الكوردي والحفاظ على الهوية الثقافية، وبين الانفتاح على الفضاء العراقي الأوسع. وبذلك تحولت “التآخي” إلى جسر حقيقي بين اللغتين والثقافتين، وإلى مساحة تلاقٍ نادرة في زمن الانقسامات.
إن فهم طبيعة هذا المشروع يقتضي التوقف عند شخصية اليوسفي نفسه، الذي لم يكن مجرد صحفي أو إداري، بل كان سياسياً مثقفاً يحمل رؤية متكاملة. فقد وُلد عام 1918 في بامرني بمحافظة دهوك،وتلقى تعليمه في بغداد، حيث تخرج في دار العلوم، قبل أن ينخرط في العمل السياسي مبكراً. وقد شارك في تأسيس جمعيات وتنظيمات كردية سرية في الثلاثينيات والأربعينيات، وأسهم في بلورة الفكر القومي الكردي في العراق، مع احتفاظه بنزعة وطنية واضحة جعلته قريباً من القوى الديمقراطية العراقية.
تعرض اليوسفي خلال مسيرته للاعتقال أكثر من مرة، وتنقل بين سجون الموصل وبغداد، لكنه ظل متمسكاً بخياراته السياسية، مؤمناً بأن النضال من أجل الحقوق لا ينفصل عن الدفاع عن الحريات العامة. وعندما أُتيحت له فرصة العمل العلني بعد 1966، لم يتردد في استثمارها لتأسيس “التآخي”، بوصفها أداة للتأثير السياسي والثقافي، وليس مجرد وسيلة إعلامية تقليدية.
ومع صدور الجريدة عام 1967، بدأت تكتسب حضوراً متزايداً في الساحة العراقية، مستفيدة من شبكة العلاقات الواسعة التي كان يتمتع بها اليوسفي، سواء مع الأحزاب السياسية أو مع الشخصيات الثقافية. وقد ساعد ذلك في ترسيخ مكانتها كمنبرللحوار، يجمع بين اتجاهات مختلفة، في وقت كانت فيه البلاد تعاني من انقسامات حادة. وهكذا أصبحت “التآخي” واحدة من أهم الصحف العراقية في تلك المرحلة، ليس فقط بسبب مضمونها، بل بسبب الدور الذي لعبته في تقريب وجهات النظر.
إلى جانب عمله الصحفي، ظل اليوسفي فاعلاً في الحياة السياسية، وشارك في المفاوضات التي قادت إلى بيان 11 آذار1970، الذي أقرّ مبدأ الحكم الذاتي للكرد. وبعد هذا الاتفاق، تولى منصب وزير دولة، وشارك في عدد من المؤسسات الثقافية والسياسية، لكنه لم يتخلّ عن قناعاته الأساسية، وظل يدعو إلى ىشراكة وطنية حقيقية تقوم على التعددية واحترام الحقوق.
بعد عام 1975، ومع تراجع الحركة الكوردية المسلحة، واصل اليوسفي نشاطه السياسي، فأسس الحركة الاشتراكية الديمقراطية الكردستانية عام 1976، محاولاً إعادة بناء العمل السياسي على أسس جديدة. ورغم القيود الأمنية التي فُرضت عليه، ظل حاضراً في المشهد السياسي والفكري، مؤمناً بأن النضال يمكن أن يأخذ أشكالاً متعددة، وليس محصوراً في العمل المسلح.
انتهت حياة اليوسفي بشكل مأساوي في 25 حزيران 1981، عندما اغتيل بطرد بريدي مفخخ في منزله ببغداد، في حادثة عكست طبيعة المرحلة التي اتسمت بالعنف والصراع. وبرحيله، فقدت الساحة العراقية شخصية متميزة، جمعت بين السياسة والثقافة، وبين الجرأة والاعتدال، وترك غيابه فراغاً لم يُملأ بسهولة.
ومع ذلك، بقيت “التآخي” شاهداً حياً على المشروع الذي أسسه، وعلى الرؤية التي سعى إلى ترسيخها. فقد استطاعت الجريدة أن تستمر، وأن تحافظ على مكانتها، بوصفها منبراً يعبر عن هموم الكورد، وفي الوقت نفسه يظل منفتحاً على الفضاء العراقي العام. وهذا ما يجعلها تجربة فريدة في تاريخ الصحافة العراقية، وتجسيداً لفكرة أن الإعلام يمكن أن يكون أداة للتقارب لا للتفرقة.
إن استذكار تجربة “التآخي” اليوم، بعد عقود من تأسيسها، لايقتصر على البعد التاريخي، بل يحمل دلالات معاصرة، في ظل مايعيشه العراق من تحديات تتعلق بالهوية والتعددية وبناء الدولة. فالمشروع الذي مثّله صالح اليوسفي، والقائم على الجمع بين الانتماء القومي والالتزام الوطني، لا يزال يحتفظ براهنيته، ويقدّم نموذجاً يمكن الاستفادة منه في البحث عن صيغ جديدة للتعايش والشراكة. ومن هنا، فإن الحديث عن “التآخي” هو في جوهره حديث عن فكرة، وعن رؤية حاولت أن تجعل من الكلمة وسيلة لبناء الجسور، في زمن كانت فيه الجدران أعلى من أن تُتجاوز بسهولة.