بقعة الزيت السياسية.

فاضل ميراني*

( هذه الكتابات في الشؤون السياسية، هي في حدود ما يمكن البوح به، وهي ليست توصيفا قائما على مبهم، لا نكتب عن مجاهيل، هي استنتاج واقعي لمنطق ما حدث و يحدث، و بالتالي فهي تأطير بعد تنظير).
استعارة( بقعة الزيت) و الحاقها بالسياسية، كناية مقصودة لمن يريد ان يفهم، من العابثين بالمقدرات، و من وقع اليهم عبث الاخرين، ان الحال بسببهم بدأت تقترب من كوارث سياسية فعلها قبلهم من اشتغلوا على تسفيهه و ذمه و تجريمه، فما عدا مما بدا؟.

مالم ينجح الاقتصاد، فالسياسة احدى الاسباب.
مقومات الاقتصاد و بناؤه، عاملان كاشفان للعقل السياسي الحاكم، وإحاطته بضرورتهما لا تكفي، ذلك ان اي فرد اعتيادي يمكن له معرفة معنى وجود العاملين من عدمهما، لكن المسؤولية تقع بالاساس على مؤوسسات الحكم، و الفرد و الجماعة وبالاضافة الاقرب للاصالة هم من ثرواتها و من داعميها، أي الاقتصاد.
اتسع مفهوم الاقتصاد، ومع كل اتساعه ظلت فئة لا تفهمه الا بحدود مستوحاة من طبيعة السلطة المسيطرة عليه، و فئة سلّمت مفاتيح حياتها يأسا من مسائلة الحكم على قرارته، وهذا دليل ضعف اجتماعي و تخادم سيء بين مؤوسسات الرقابة و التنفيذ.
الاقتصاد و في احدى معانيه هو التدبير، و التدبير مرتبط بالنجاح، والا فهو سوء تقدير.
سوء التقدير في الحكم و قرارته له معنى قد يكفي لعزل الموظف عن مكانه، فهو ليس حرا في ادارة الاقتصاد، اذ انه ليس مالا( المال كل شيء ثمن و ليس العملة الورقية او المسكوك المعدني) خاصا.
الاقتصاد يقوم على طبيعة الموارد و الادارة، وليست كل الدول زراعية و لا كلها صناعية، فإن كانت دولة ما تجمع موردا او اكثر و تديرها، او تكون وسيطا في معادلة و معاملة اقتصادية، فهي تبني و تأخذ هوية اقتصادية.
ان دولة مثل العراق تتلقى اغلب ححص مياهها من الخارج لا ستخدمات انسانية و اقتصادية، لابد ان تحتكم لعلاقات منتجة مع دول المصدر المائي، ولانها محطة استلام اخير فهي لابد ان تحتكم لسياسة اقتصاد تحسب نمو السكان و إدامة الزراعة كونها تمتلك اراض زراعية داخلة ضمن الناتج المحلي و حساباته، و معرفة ان هويات الاقتصاد الداخلي بعد تفكيك مكوناتها تعمي وجود مجتمع زراعي لابد من ابقائه و تعزيزه، فبخلاف ذلك سيكون الانكسار المجتمعي متوقعا و مصاحبا له خسارات بشرية و جغرافية.
لن اتكلم بالمثالية بل بكل واقعية معاشة، واقعية من عين مراقب يرى ان التعلق بحبل اقتصادي واحد اشبه بالمخاطرة المقصودة لشخص له ابواب طوارئ للسلامة تعمّد اغلاقها او اهمل صيانتها، و ابقى على واحد غير مضمون.
ان اهمال الموارد بكل انواعها، و التصدر للمشهد على انه كله حزبي و سياسي و رسمي، هو استثمار شبيه بتشريع جريمة، اذ ان فردا او جماعة حزبية او عقائدية او سياسية لها القرار او حزء من القرار السلطوي، تتسبب ببوار الارض و نقص المياه و نزف العملة لسد حاجة السوق مع افتراض نزاهة فاعليها، هذا الفرد او الجماعة ارتكبوا جريمة ضياع و تحول حياة مجتمع من مجتمعات الداخل الوطني، لها قيمها و فكرها و معاشها، سترى نفسها مخيرة بين الهجرة او الضياع.
نفس الاجراء و النتيجة تكون مع المجتمع الصناعي ايا كانت سعته و وجوده، و كذلك مجتمع العقول العلمية ضمن مؤوسسات التعليم و في اي جزء هو بالحقيقة اقتصادي او يمكن ان يكون اقتصاديا، مثل السياحة و العلاج و المرور برا او جوا او بحرا.
اين هي بقعة الزيت السياسية؟
قبل الجواب، فالسياسة جزء من حلول، او هي الجزء الرئيسي، لكنها تظهر بقوة و تكون مفيدة في تغيير او إنبات ما تخرج منه قرارات و نتائج سليمة، اما خلاف ذلك فهي بقعة ملوِثة خانقة قاتلة، تفرض نفسها مستغلة وجودها و شرعيتها التي تخونها مع كل قرار متحايل على روح النص الدستوري و القانوني السليمين.
لا توجد دولة ناجحة كل شعبها موظف عندها، هذا مخالف لمفهوم الدولة، للحكومة ان توظف من يقدمون خدمات لمجتمع الدولة و لمن لهم علاقة قانونية بالدولة، لكن الذي يحصل و بعيدا عن كل مجريات إلهاء اغلب الناس بالدعايات و التصارع، و بروز تلالٍ سياسية تنظيمية كثيرة الكلام عديمة الفائدة، هو تدهور مجتمعي سببه بقعة زيت سياسية تم اطلاقها داخل بيئات المجتمع، بقعة آذت حتى السياسيين اصحاب مشاريع البناء الرصين و الرصينة، و ظهرت طبقتان متفاوتتان جدا، بينهما فجوات محشوة بالغضب ستنفجر يوما ببركان مدمر، وستكون بقعة الزيت مغذية للحريق و ملتهبة به.
ان مقادير السياسة و الحزبية داخل المجتمع يجب ان تكون مدروسة المقادير تركيزا و تخفيفا بحسب الحاجة الفعلية العلمية لصوغ معادلة كيميائية ناجحة و مفيدة.
لانه بغير ذلك فعبث، و عبثٌ قاتل.
فثمة من يدري و يعرف، و ثمة لا و مع ذلك يصر على الدور.

*مسؤول الهيئة العاملة للمكتب السياسي
للحزب الديمقراطي الكوردستاني.

قد يعجبك ايضا