ميثاق ثلاثي يهز معادلات المنطقة.. هل بدأ زمن الردع الإقليمي؟

عرفان الداودي

لم تعد التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط مجرد أزمات متفرقة، ولا يمكن قراءة ما يجري في مضيق هرمز بمعزل عن التحرك السعودي ـ التركي ـ الباكستاني نحو بناء إطار دفاعي مشترك.

المنطقة أمام مشهد جديد قد تكون تداعياته أكبر بكثير من حدود الاتفاقات المعلنة؛ لأن القضية لم تعد مرتبطة بمن يملك السلاح الأكثر تطوراً، بل بمن يستطيع بناء منظومة ردع تجعل الاعتداء مكلفاً، والابتزاز مستحيلاً، وفرض الإرادة بالقوة أمراً بالغ الصعوبة. وهنا تحديداً تكمن أهمية الميثاق الثلاثي.

هرمز لم يعد مجرد مضيق

مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي تمر عبره ناقلات النفط. إنه واحد من أهم مفاتيح الاقتصاد العالمي، ومن يملك القدرة على تهديد أمنه يستطيع أن يهز أسواق الطاقة ويضغط على اقتصادات دول بأكملها. ولهذا فإن أي تفاهم بشأن حرية الملاحة في هرمز لن يكون مجرد اتفاق تقني لفتح طريق بحري، بل سيكون جزءاً من معركة أكبر حول من يملك حق استخدام الممرات الاستراتيجية كورقة ضغط سياسية وأمنية.

إذا نجحت الوساطة العُمانية في الوصول إلى تفاهمات مستقرة، فقد تكون أمامنا فرصة لخفض التصعيد وفتح باب لتفاهمات أوسع بين واشنطن وطهران. أما إذا فشلت، فإن هرمز سيبقى ورقة ضغط إيرانية قادرة على رفع منسوب المخاطر في المنطقة بأكملها.

السعودية وتركيا وباكستان… رسالة إلى الجميع

الأكثر إثارة للانتباه هو التحرك الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان. ثلاث دول ذات ثقل سياسي واقتصادي وعسكري، وثلاث عواصم تدرك أن الاعتماد الكامل على قوة خارجية لحماية أمن المنطقة لم يعد خياراً مضموناً إلى الأبد. الرسالة هنا ليست موجهة إلى إيران وحدها. إنها رسالة إلى واشنطن وموسكو وطهران والعواصم العربية والإقليمية جميعاً: المنطقة بدأت تبحث عن أمنها بأدواتها، وليس فقط من خلال القوى الكبرى.

إذا تحول النص الذي يعتبر الاعتداء على دولة من الدول الثلاث اعتداءً على الجميع إلى تعاون عسكري واستخباري حقيقي، فإن المعادلة ستتغير جذرياً. فالخصم لن يواجه دولة واحدة، وإنما سيحسب حساب رد فعل منظومة كاملة.

لا تتعجلوا تسمية «ناتو إسلامي»

لكن من الخطأ السياسي أيضاً الذهاب بعيداً في وصف هذا الميثاق بأنه «ناتو إسلامي». فالتحالفات لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالمصالح المشتركة، والقيادة الموحدة، والتنسيق الاستخباري، والخطط العسكرية، والقدرة على اتخاذ قرار جماعي في لحظة الخطر. كما أن العلاقات بين تركيا وإيران ليست علاقة مواجهة مفتوحة؛ بل تحكمها مصالح اقتصادية وحدود وجغرافيا وحسابات سياسية معقدة. ولهذا فإن قوة الميثاق ستُقاس بما سيحدث بعد التوقيع، لا بما قيل يوم التوقيع.

إذا تحول إلى غرفة عمليات مشتركة، وتبادل استخباري، وتنسيق دفاعي، ومناورات، وقدرات تدخل حقيقية، فهنا فقط يمكن الحديث عن ولادة قوة ردع جديدة.

إيران أمام معادلة مختلفة

إيران اعتادت خلال العقود الماضية على إدارة نفوذها الإقليمي عبر شبكة واسعة من الحلفاء والقوى المسلحة، مستفيدة من الجغرافيا ومن هشاشة بعض الدول ومن غياب منظومة أمن إقليمية متماسكة. لكن ظهور ترتيبات دفاعية جديدة قد يفرض على طهران إعادة حساباتها. فاستهداف الملاحة أو تهديد دول الخليج لن يكون بالضرورة مواجهة ثنائية مع دولة واحدة؛ بل قد يتحول إلى أزمة إقليمية واسعة، تتداخل فيها المصالح السعودية والتركية والباكستانية والأميركية والدولية.

وهنا يصبح الردع أهم من الحرب. فالهدف من الردع ليس إشعال المعركة، وإنما إقناع الخصم مسبقاً بأن ثمنها سيكون أكبر من أي مكسب يمكن أن يحققه.

بغداد أمام اختبار تاريخي

العراق، في هذه المعادلة، لا يستطيع أن يبقى متفرجاً. فالعراق يقع في قلب الصراع الإقليمي، ويرتبط بعلاقات مع إيران وتركيا والسعودية والولايات المتحدة، وأي إعادة تشكيل لموازين القوى حوله ستنعكس مباشرة على أمنه واقتصاده وسيادته. ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يفعله العراق هو أن يتحول مرة أخرى إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الآخرين.

العراق بحاجة إلى سياسة خارجية متوازنة، تحمي سيادته ومصالحه، وتمنع استخدام أراضيه منصة للهجوم على دول الجوار، وفي الوقت نفسه تمنع تحويله إلى ساحة نفوذ أو تابع لأي محور إقليمي.

لبنان وحزب الله… أول اختبار

ومن هنا تأتي أهمية ملف سلاح حزب الله في لبنان. فإذا كانت المنطقة تتجه فعلاً نحو مرحلة جديدة عنوانها الدولة والمؤسسات والردع المنظم، فإن وجود قوى مسلحة خارج سلطة الدولة سيصبح واحداً من أكبر التحديات أمام هذه المعادلة.

السؤال لم يعد لبنانياً فقط: هل تستطيع الدولة أن تكون صاحبة القرار الأمني والعسكري الوحيد؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد جانباً مهماً من شكل الشرق الأوسط المقبل. شرق أوسط بلا ضمانات مجانية الشرق الأوسط يتغير.

والولايات المتحدة نفسها قد لا ترغب في استمرار تحمل العبء الأمني والعسكري ذاته إلى الأبد، بينما تدرك دول المنطقة أن الاعتماد الكامل على الحماية الخارجية يجعل قرارها الاستراتيجي مرتبطاً بإرادة الآخرين. ولهذا بدأت تظهر فكرة جديدة: الأمن الإقليمي يجب أن تصنعه دول الإقليم نفسها.

الميثاق السعودي ـ التركي ـ الباكستاني قد يكون خطوة في هذا الاتجاه، وقد يفشل إذا بقي مجرد إعلان سياسي. لكن المؤكد أن المنطقة بدأت تبحث عن بدائل، وأن زمن الاعتماد الكامل على مظلة واحدة قد يكون في طريقه إلى التراجع.

في النهاية، المعركة القادمة لن تكون بالضرورة معركة صواريخ وطائرات. قد تكون معركة تحالفات ونفوذ وردع واقتصاد وممرات استراتيجية. ومن ينجح في بناء التحالف الأكثر تماسكاً، والأقدر على حماية مصالحه، سيكون هو الطرف الذي يملك الكلمة الأقوى في الشرق الأوسط الجديد. فالمنطقة لا تبحث اليوم عن حرب جديدة بل عن معادلة تجعل الحرب الأخيرة خياراً مكلفاً للجميع.

قد يعجبك ايضا