بين وقار الأصلاء .. ونباح الدخلاء : من يملك القضية ومن ينتظر النثرية ؟

سعد الهموندي

يقولون إن الإعلام مرآة الشعوب، لكني أقول اليوم بصفتي مراقباً وكاتبا ومكتوياً بهذا الواقع: إن ما نشاهده كل ليلة على الشاشات ليس إعلاماً، بل هو سوق هرج سياسي، تُباع فيه كرامة الوطن بـ لايك وتُشترى فيه الذمم بـ نثرية بائسة. في هذا الوطن الذي علّم الدنيا فقه الحرف، أصبحنا نعيش كوميديا سوداء؛ استوديوهات تزدحم بوجوهٍ يلمع الماكياج على جلودها ، بينما تعيش البصيرة في عقول أصحابها حالة انقطاع تام عن الوجع .
لقد انقسم المشهد أمام عيني إلى فسطاطين ؛ معسكر الأصلاء ، أولئك الباحثين والمحللين الذين يحملون همّ العراق كأنه بيتهم الصغير، يزنون الكلمة بميزان الذهب، ويحاولون بصبر الأنبياء تبسيط عُقد السياسة للمواطن البسيط، وبين معسكر الدخلاء الذين حوّلوا التحليل السياسي إلى بسطية متنقلة، يبيعون فيها الشتائم والتأويلات المأجورة التي لا تخدم إلا جيوب أسيادهم .
تجد الباحث الأصيل، ذلك المثقف الغيور، يتحدث بلغةٍ يشم فيها العراقي رائحة الصدق، يترفع عن المهاترات ويبحث عن لأصل وسط ركام الفشل. ولكن، ما إن يبدأ حديثه الرصين، حتى تخرج له ببغاوات صُنعت في مطابخ الفتنة. هؤلاء الدخلاء الذين لا يتحركون إلا بـ “ريموت كنترول” حزبي، ليس همهم بناء وعي، بل زرع الشك والشقاق بين أبناء الوطن . يؤولون الحقائق حسب قائمة الأسعار ، ويحوّلون الشاشة إلى حلبة لـ “صراع ديكة” تسيء لهوية العراقي وقوة الدولة، والهدف دائماً هو رفع بورصة الابتزاز السياسي خلف الكواليس .
المصيبة الكبرى هي تلك القنوات التي أُسست كـ مكاتب مقاولات هدفها تلميع الفروع العفنة على حساب الأصل .
المذيع هناك، ومحللوه الذين جُمعوا على عجالة من أزقة التملق، حوّلوا الوجع العراقي إلى “ترند” للتسلية، وصار الوطن عندهم مجرد محتوى لزيادة الأرصدة، ناسين أن الجذع الذي يستندون إليه يتآكل بفعل سمومهم.
إن هؤلاء الدخلاء الذين يتاجرون بمستقبل الأجيال لأجل نثريّة بخسة، هم الأغصان الطفيلية التي ستموت بمجرد أن ينقطع عنها حبر الممول. سيبقى الأصل العراقي شامخاً بوقار أصيليه، وستبقى كلمات الأصلاء هي السند الحقيقي في وقت الشدة .
ختاماً.. أقولها لكم ولكن ليس باحترامٍ كبير: ارحلوا بضجيجكم، فقد شبعنا بَدلاتٍ أنيقة.. لـعُقولٍ حافية! وكما يقول العراقيون: (الأساسُ مَغشوش، والذِّمَمُ مَعروضة).

قد يعجبك ايضا