لماذا يستمر الظلم على الكورد رغم أنهم دعاة سلام؟

الشيخ دلشاد محمد احمد النقشبندي

ليست معاناة الشعب الكوردي وليدة لحظة عابرة، ولا حادثة مرتبطة بمرحلة سياسية محددة؛ بل هي قصة طويلة من الصراع مع الإقصاء والإنكار والاعتداءات المتكررة. وبينما يتطلع العالم إلى الاستقرار في الشرق الأوسط، ما يزال الكورد يطرحون سؤالاً مؤلماً: لماذا يستمر استهدافهم رغم أنهم كانوا – ولا يزالون – من أكثر شعوب المنطقة دعوةً للتعايش والسلام؟
لقد أثبت التاريخ الحديث أن الكورد لم يكونوا دعاة حرب، بل كانوا غالباً ضحاياها. فمن حملات الإبادة والتهجير، إلى التهميش السياسي والاقتصادي، وصولاً إلى التهديدات الأمنية المستمرة، ظل الشعب الكوردي يدفع ثمن صراعات لم يكن صانعها. واليوم، ومع استمرار الهجمات بالطائرات المسيّرة على كوردستان، يتجدد السؤال نفسه: لماذا تُستهدف أرض آمنة تسعى إلى الاستقرار؟
إن كوردستان داخل دولة العراق أصبحت خلال السنوات الماضية نموذجاً نسبياً للاستقرار مقارنةً بمحيطها المضطرب. فقد استقبلت ملايين النازحين من مختلف القوميات والطوائف، وفتحت أبوابها للجميع دون تمييز، وأثبتت أن التعايش ليس شعاراً بل ممارسة يومية. ورغم ذلك، ما تزال تتعرض لاعتداءات عسكرية وانتهاكات لسيادتها، وكأن الاستقرار نفسه أصبح تهمة.
لقد كانت قيادة كوردستان، وعلى رأسها مسعود بارزاني، واضحة في خطابها السياسي: الحلول يجب أن تكون بالحوار لا بالسلاح، وبالشراكة لا بالإقصاء. هذه الرؤية لم تكن مجرد تصريحات إعلامية، بل نهجاً سياسياً متواصلاً يدعو إلى التهدئة وبناء الجسور مع جميع الأطراف داخل العراق وخارجه. ومع ذلك، يواجه هذا النهج تحديات مستمرة، وكأن لغة السلام لا تجد من يصغي إليها في منطقة اعتادت على ضجيج السلاح.
إن استمرار الهجمات بالطائرات المسيّرة على كوردستان لا يهدد الأمن الكوردي فحسب، بل يهدد استقرار العراق والمنطقة بأكملها. فالاعتداء على منطقة آمنة يعني تقويض أي فرصة لبناء نموذج ناجح للتعايش. كما أنه يبعث برسالة خطيرة مفادها أن الاعتدال والبحث عن الحلول السلمية لا يوفران الحماية.
إن الكورد لم يكونوا طرفاً في كثير من الصراعات الإقليمية، ومع ذلك يجدون أنفسهم في قلبها. لم يسعوا إلى الحرب، بل سعوا إلى بناء المؤسسات، وتحقيق التنمية، وترسيخ ثقافة التسامح. ومع كل هجوم جديد، يزداد الإيمان الكوردي بأن السلام ليس خياراً سهلاً في منطقة مضطربة، لكنه يبقى الخيار الوحيد الممكن.
اليوم، يحتاج العالم إلى إعادة النظر في موقفه من معاناة الكورد. فالدفاع عن الاستقرار في كوردستان ليس دفاعاً عن شعب واحد فقط، بل عن فكرة أن السلام ممكن في الشرق الأوسط. إن ترك الاعتداءات تمرّ دون موقف واضح يشجع على تكرارها، بينما الوقوف إلى جانب الاستقرار يفتح باب الأمل لمستقبل أفضل.
ختاماً، يبقى السؤال موجهاً إلى الضمير الإنساني قبل السياسي: إلى متى يستمر استهداف شعب اختار طريق السلام؟ وهل يُعاقَب من يمد يده للحوار بدل أن يرفع سلاحه؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد شكل المنطقة في السنوات القادمة، بين طريق الاستقرار وطريق الفوضى.

قد يعجبك ايضا