د.حسام ممدوح
تكشف عملية اختيار المرشح لمنصب رئيس الوزراء القادم في العراق حالة الخلل التي تعانيها المنظومة السياسية وعجزها عن العمل وفق ما نصّ عليه القانون والدستور.
فالعملية الانتخابية التي مضى على اعلان نتائجها أكثر من خمسة أشهر لم تتحرّك إلاّ خطوات قليلة جداً، ولازال التحدى الأصعب قائماً والمتمثل باختيار المرشح لمنصب رئيس الحكومة القادم وما يترتب على هذه العملية من تقديم الكابينة الوزارية للحكومة القادمة.
فعلى الرغم من الأحاديث التي نقلت عن كتلة الإطار التنسيقي -الذي أعلن نفسه منذ البدء بأنه الكتلة الأكبر- بأنه يمتلك قائمة أولية من المرشحين وأنه مع مرور الوقت قادر على فلترة أسم من بين الأسماء المعروضة لديه، إلاّ أن الأمر لم يكن بتلك السهولة، لاسيما بعد أن تراجع الإطار عن شروطه المتعلقة بالمرشح لهذا المنصب.
فشرط عدم تولي المنصب لأكثر من ولاية تم تجاوزه بعد أن قدم السيد المالكي كمرشح لهذا المنصب، وهو الأمر الذي فتح الطريق أمام السيد السوداني لإعادة طرح نفسه كمرشح بديل للمالكي بعد أن نجح الضغط الأميركي في إبعاده عن قائمة الترشيح بسبب قربه من النظام الإيراني.
ثم عاد المالكي ليقدم مرشحاً عن حزب الدعوة لهذا المنصب، مستغلاً حالة عدم رضا أطراف الإطار بالسيد السوداني، فقدم السيد باسم البدري، ولم تكد الأمور تمضي حتى أنقسم الإطار بين مؤيد للبدري وآخر مؤيّد للسوداني.
ومع اقتراب الأمور من الحسم، هنا دخل الفاعل الخارجي الإقليمي والدولي ليضع بصمته -الأقوى بكل تأكيد- على كتاب الترشيح، ليدخل الأمر مجدداً نفقاً جديداً لاسيما ونحن نتحدث عن رغبة إيرانية في أن يكون المرشح القادم متوافقاً مع توجهات الدولة الإيرانية ونظامها الساسي الحالي لا كما كانت الولايات المتحدة تتوقع أن إيران تراجعت وأنها بصدد التسليم بأي سيناريو في العراق.
إن عملية اختيار رئيس الحكومة تكشف اليوم الخلل الذي تعانيه المنظومة السياسية في العراق، والتي قامت بالأصل على توافقات بين مجموعة من القوى السياسية لازالت تسيطر على المشهد السياسي العراقي وإن تغيّرت بعض وجوه قادتها.
والإشكال كما يشخّصه عدد من المختصين بالشأن القانوني والدستوري وعلى رأسهم القاضي فائق زيدان مرتبط بالمواد القانونية والدستورية المتعلقة بتنظيم عملية تشكيل الحكومة، والتي عانى الكثير منها من عمومية الصياغات وعدم القطعية، الأمر الذي جعلها مجالاً للرأي والاجتهاد وهو ما أوصل الأمور لما وصلنا إليه.
إن أي محاولة لترتيب أوضاع البيت العراقي لابد وأن تبدأ من تصحيح الخلل في الضوابط القانونية والدستورية المتعلقة بتنظيم عملية تشكيل الحكومة في العراق والقواعد المتعلقة بها، أما جعل هذه العملية مجالاً للاجتهاد بين الكتل السياسية فسيجعل الأمور شيئاً فشيئاً أكثر تعقيداً وسيخضع هذه العملية لحالة الشد والجذب وكأنها صفقة تجارية لا استحقاق سياسي يتعلق به مصير الشعب العراقي.