العراق وعقلية الأزمة

د.حسام ممدوح

يرتبط العراق بالأزمات بعلاقة وثيقة لا فكاك منها، إذ لا ينتهي العقد من الزمن -لاسيما في تاريخ العراق الحديث- إلاّ ويشهد العراق أزمة داخلية أو خارجية تترك أثرها على شعبه سياسيًا واقتصاديّا وأمنيًا.

آثار هذه الأزمات نجد إنعكاساتها بوضوح في حياة العراقيّين ونمط ومستوى تفكيرهم، وزادت من حدّة بعض خصائص شخصية المواطن العراقي، كسرعة الغضب أو الخوف من المستقبل. بل وجعلت الأزمة جزء من حياته، فهو متوقّع لها متأهب نفسيّاً للتعامل معها.

ولنا في الحرب الأخيرة على إيران خير مثال، فالعراقي وبمجرّد إطلاق الصاروخ الأميركي الأول على إيران أندفع إلى السوق جامعًا المواد الغذائية لتخزينها، ثم انتقل لمحطات الوقود لشراء كميات إضافية تكفيه لأشهر قادمة، بل إن الوسائل القديمة للإنارة والتي كان الناس يستخدمونها قبل اختراع الكهرباء ارتفعت أسعارها بشكل وصل إلى حد الـ(10) أضعاف سعرها الحقيقي.

وبطبيعة الحال هذه الصفات قد لا تجدها موجودة عند طبقة الأبناء ممن عاشوا مرحلة ما بعد ظهور تنظيم (داعش)، فتجدهم غير مبالين بما يجري من حولهم، غير مستوعبين حجم ما يتحدث عنه الأهل وغير مصدقين بالأحاديث التي يتداولها البعض عن أزمة غذاء ووقود وأمن وغيرها..

ولك أن تتخيّل أنه في ليلة الجمعة التي قصفت فيها إيران باشرت وزارة التعليم العالي بإطلاق منصتها للتعليم الألكتروني مطالبةً من الجميع بإنشاء حساباته استعدادًا لعملية الانتقال من التعليم الحضوري إلى التعليم الألكتروني..!!

هذه العقلية التي يعيش فيها المواطن العراقي، كيف يمكن من خلالها أن يؤسّس لدولة بمؤسسات سياسية واقتصادية حقيقية؟

وكيف تنتظم مؤسسات الدولة وفق سياق واضح محدد فيما هي دوماً مستعدة لمواجهة الأسوأ..؟

إننا اليوم من الصعوبة بمكان أن نتمكن من التأسيس لدولة مؤسساتية حقيقية مستقرة في ظل هذه العقلية، فكيف يمكن لدولة تحت التهديد -الذي قد يصل لحد التهديد الوجودي- أن تعمل وفق خطط وسياق مستقر..؟؟!!

إن الحديث عن عقلية الأزمة وانتقادها ليس معناه أن العراق في واقعه لا يعيش ضمن محيط غير مستقر، وأنه ليس طرفًا متأثرًا بما يجري من حوله.. أبدًا..

لكننا نقول أن العيش بعقلية الأزمة بشكل دائم وعمل مؤسسات الدولة وفق سياقات الطوارئ وتحسّبات سوء المستقبل لن يمكّن الدولة من النجاح..

هنا لابد من إرساء سياق عمل داخل مؤسسات الدولة بما يرسي حالة الاستقرار على قطاعات الدولة على اختلافها بعيدًا عن حالة الترقب وانتظار الأسوأ التي نعيشها اليوم.

وكي لا نكون مثاليين علينا أن نضع دومًا الخطة (ب) مستعدين للانتقال لها في أي وقت اضطررنا لذلك، وهنا تؤسّس الدولة لسياق منضبط مستقر مع استعداد لمواجهة الأزمة دون إرباك لمؤسساتها وبعيدًا عن العيش في حالة مثالية من نكران الأزمة أو عدم الاعتراف بوجودها.

قد يعجبك ايضا