التدوير والتناوب

ياسين الحديدي

ظاهرة ديمقراطية جديدة، عراقية كركوكية بامتياز، تنفي عمليًا وجود الانتخابات ولا تبرر قيامها ما دام الاحتكام قائمًا على النهج التوافقي: “هذا لي وهذا لك”. كما أنها لا تعزز مفهوم الأغلبية في تشكيل حكومة محلية أو مركزية، حين يكون التناوب على منصب الرأس قائمًا على مبدأ الانتماء القومي.

إن مرجع كل ذلك هو غياب الثقة وحسن النية بين القوميات، والانطلاق من منطلقات المصالح الضيقة، مع غياب البعد الوطني. فالوطنية هي الجامعة التي ينصهر فيها الجميع تحت سقف الحقوق والواجبات. والوطن لا يُبنى، كما يقول المثل الشعبي، بأن “كلٌّ يأخذ النار إلى قرصه”.

إن المشاركة وفق هذا الأسلوب يكون الخاسر فيها حتمًا هو المواطن من جميع الأطراف. فمن يضمن أن يكون المسؤول، الذي جاء بدعم قوميته لا بكفاءته، ساعيًا لخدمة الجميع؟ إن وجوده لا يتجاوز سدّ فراغ وإثبات الحضور. وكيف يمكن له أن يتفاعل مع ملف الخدمات ويدفع به إلى الأمام، وهو على يقين بعدم امتلاكه الوقت الكافي ليكون فاعلًا؟ ولو علم الإنسان متى يموت، لاعتكف يعدّ الأيام مكسور المعنويات، فاقد الهمة.

وأبسط مثال على ذلك هو التنازلات حتى في الوظائف الأدنى، وسحبها من استحقاق مكوّن إلى مكوّن آخر، وهي عملية ترميم لا بناء.

“سيقدّم المحافظ الحالي، ريبوار طه، استقالته لإسناد المنصب إلى مرشح المكوّن التركماني، رئيس الجبهة التركمانية محمد سمعان، في سابقة هي الأولى من نوعها منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة. على أن يذهب منصب المحافظ، بعد سنة، إلى المكوّن العربي، الذي سيحصل كذلك على منصب رئيس مجلس المحافظة، فيما يتم تدوير بقية المناصب، من مديري الدوائر وقادة الأجهزة الأمنية ورؤساء الوحدات الإدارية في كركوك.”

وفي المقابل، سيحصل الاتحاد الوطني الكردستاني على منصب النائب الأول للمحافظ، وقائد شرطة كركوك، وقائممقامي قضاءي الدبس وداقوق. وهذه هي لعبة التدوير والتناوب.

تذكّرت هنا القصيدة الدامغة لجرير، والتي سُمّيت بذلك لأنه دمغ بها الراعي النميري، أي أصاب دماغه، ويُقال إنه مات كمداً من هجائه.

ومن أبياتها:

فَغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ
فَلا كَعْبًا بَلَغْتَ ولا كِلابا

قد يعجبك ايضا