بين نهرين من الدم

سمير ميراني

ما بين الشام والرافدين جراح قديمة لم تبردها الأجيال، ولم تطفئها الأعصار، وما يظنه الناس خلافاً سياسياً وليد اليوم إنما هو امتداد لنار أضرمت منذ قرون، ولمن أراد أن يفهم الحاضر فليبدأ بقراءة الماضي.
الدول كالأحياء، تولد وتنمو وتشيخ ثم تموت، والصراع على السلطة ليس عارضاً في تاريخ الأمم، بل قانون يتكرر عبر العصور، وما يظنه الناس أحداثاً فريدة في زمانهم، إنما هي فصول من كتاب يُقرأ من جديد، تتبدل فيه الأسماء وتبقى فيه الأنماط.
وإذا أردت أن تفهم ما يجري اليوم بين أرض الشام وأرض الرافدين، فلا تبدأ من اليوم، بل ابدأ من تلك اللحظة الحاسمة التي شقّت فيها الفتنة الكبرى جسد الأمة شقّاً لم يلتئم، حين تحول الخلاف من مسألة الحكم إلى جرح عقائدي عميق، ومن نزاع سياسي إلى هويتين متقابلتين لا تجدان بينهما أرضاً مشتركة.
وقبل أن نلج ذلك الصراع، لا بد أن نقف عند فتيله الأول, أولئك الذين خرجوا من (صفين )كالسهم الطائش، رافعين شعار لا حكم إلا لله، بينما كانوا يخدمون أجنداتهم الخاصة، هؤلاء الخوارج لم يكونوا أمويين ولا علويين، لكنهم كانوا النار التي أشعلت في البيدر، حتى أن سيفهم طال الإمام في محراب مسجده، فكان مقتله إيذاناً بأن الأمة دخلت مرحلة لا عودة منها.
والخوارج لم ينقرضوا بانقراض جيلهم، بل بقيت طريقتهم في توظيف المقدس في خدمة السياسة، ورفع راية الدين حيث تكون المصلحة، وفي زماننا ثمة نار هادئة خلف الكواليس، تستحضر الجرح القديم وتُذكي جمره، تلبس عباءة الدين أمام الجمهور، وتمد يدها في الخفاء، وتجد في الفتنة بين الضفتين ما تبحث عنه، والتاريخ يعرف هذا الوجه، وإن تبدلت ملامحه.
وفي خضم تلك الفتنة المشتعلة، وجدت الدولة الأموية أرضها الخصبة، دولة قامت على الوازع القبلي، كانت تلك قوتها وعلتها في آنٍ واحد، فالعصبية أعطتها السيف وحرمتها من القلوب، وجعلت شرعيتها موضع طعن لم ينقطع، وحين تفككت تلك العصبية من الداخل لم تجد ما تتكئ عليه، فسقطت في سنوات، كأن لم يكن لها أمس، فالدولة التي تقوم على القوة وحدها، تحمل في طياتها بذور انهيارها منذ يومها الأول.
وفي أرض الرافدين، كانت الرواية تسير في اتجاه آخر، فقد حملت تلك الأرض في ذاكرتها يوم كربلاء كأنه لم يمضِ، وجعلت من الإمامة ركيزة للعقيدة لا تقبل المساومة، وحين جاء العباسيون رافعين راية آل البيت وقوداً لإسقاط الأمويين، ثم تنكّروا لمن حملوا رايتهم بعد أن جلسوا على العرش، علّموا ابناء الرافدين درساً لم ينسوه، أن السلطة تستعير الشرعية ولا تمنحها، وأن الجرح القديم لا يندمل بتبدل الحاكم.
وكما أعاد التاريخ نفسه مراراً في هذه الأرض، يبدو أن المشهد يعود اليوم في صورة جديدة، واليوم تقف أرض الشام على مفترق طرق، مألوف لمن قرأ التاريخ بعين ساكنة، فقد آل أمرها إلى حاكم لم تلده قصور السياسة ولا مجالس الشورى، بل ولدته المعسكرات، وأفرزته سنوات الحرب والدم، يسعى إلى أن يُلبس سلطته ثوب الشرعية، كما فعل من سبقه على هذه الأرض، وفي وصفه وموقعه وخصومه ما يجعل المتأمل في سير الأولين يتوقف طويلاً، ويستحضر ذلك الاسم السفياني الذي تحمله الروايات، الخارج من الشام، التي تقول الأحاديث إن الأرض ستُخسف بجيشه قبل أن يبلغ مقصده، والتاريخ لا يطابق، لكنه يُلمّح لمن أراد أن يفهم.
وفي الضفة الأخرى يرقب أبناء الرافدين المشهد بعين لا تخلو من قلق عقائدي قبل أن يكون سياسياً، إذ إن الروايات التي يحفظونها تقول، إن المواجهة الكبرى لم تُحسم بعد، وتبقى في الأفق ظلال تلك المعارك القديمة – الجمل وصفين- كأنها لم تُغلق ملفاتها بعد، وكأن الأرض لا تزال تحمل في تربتها ذاكرة ما جرى، وتنتظر.
وليس خافياً على من تأمّل في مسار الأحداث، أن العداء بين الشام والرافدين، لم يكن يوماً مجرد خلاف سياسي، تحلّه المفاوضات وتُطفئه المصالح المشتركة، بل هو جرح ضارب في أعماق التاريخ، منذ أن سالت دماء كربلاء، وحملت الأرض وزرها إلى يومنا هذا.
وما يجري اليوم بين الضفتين من توترات وتجاذبات، ليس في حقيقته سياسة محضة، بل فيه نَفَس ذلك العداء القديم، يتنفس من جديد، والمتأمل في المشهد يرى بوادر تنذر بما هو أكبر، فحين تتهيأ نفس الأرض، ونفس الخصوم، ونفس الجراح القديمة، لا يفعل التاريخ ذلك عبثاً، وللأرض ذاكرة لا تخطئ.
التاريخ يعلّم درساً واحداً لم يشذّ عنه حاكم ولا جبار منذ فجر الحضارات، أن السلطة المبنية على القوة دون الشرعية، قصيرة العمر طويلة الألم، فما من طاغية جلس على كرسي الشام أو عرش بلاد الرافدين، إلا وكان التاريخ يكتب في الوقت ذاته فصل نهايته، بالسيف أحياناً، وبالسمّ أحياناً، وبالخلع والنسيان في أغلب الأحيان.
والتاريخ صامت، لكنه لا ينسى، ولا يغفر، ولا يسقط من دفاتره حساب الطغاة.

قد يعجبك ايضا