د.توفيق رفيق آلتونجي
كان الملك فيصل قد كتب في مذكرة سرية له يقول إنه :
“أقول وقلبي ملان أسى أنه في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بل توجد كتلات بشرية خيالية خالية من اي فكرة وطنية متشبعه بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة، سماعون للسوء، ميالون للفوضى، مستعدون للانتفاض على أي حكومة كانت نحن نريد والحالة هذه أن نشكل من هذه الكتل شعبا ,تهذبه , وندربه، ونعلمه، ومن يعلم صعوبة تشكيل وتكوين شعب في هذه الظروف يجب ان يعلم ايضا عظم الجهود التي يجب صرفها لإتمام هذا التكوين ، وهذا التشكيل*.”

العراق دولة كتلك الدمية التراثية الروسية الشهيرةً المسماة “ماتريوشكا ” وهي مجموعة من الدمى الخشبية ذات الاحجام المختلفة من صغيرة إلى كبيرة ومتشابهة حين تضعها الواحدة داخل الأخرى تتجمع الدمى كلها في دمية واحدة كبيرة . التسمية الروسية للدمية ماتريوشكا، وتعني حرفيًا «الأم الصغيرة»، وهو شكل تصغيري للأنثى الروسية «ماتريونا» (Матрёна) أو «ماتريوشا».
النظام العراقي اليوم متداخل من عدده قوى سياسية وميليشيات ومراكز قوى دينية وعشائرية وطوائف متعددة وترىً كل فرد متنفذ له مجموعة حماية مدججة بالسلاح كلهم داخل دمية كبيرة تحددها حدود دولة خطها لهم الاستعمار البريطاني والفرنسي. وهي دول داخل دولة واحدة لا بل قوانين مختلفة وأعراف عشائرية فوق القانون وجهل بدستور البلاد وحتى مجاميع مرتبطة بخارج الوطن وحتى باجهزة مخابراتية وتاخذ اوامرها من هناك كلهم في بوتقة إثنية ثقافية عقائدية متداخلة تحاول جاهدا ان تجد لها قاسما مشتركا بين مكوناتها منذ تأسيسها قبل قرن ولم تفلح .
كيف تبقىً هذه الدولة وتسيطر علىً كيانها الموحد ؟
ان تبقى موحدة في عالم مليء بالتناقضات خارجيا وداخليا من خلال تعددية الولاءات للخارج واقوى دولية اخرى. تلك الدمى المتداخلة متحاربة فيما بينها وصراعها ليس فكريا فقط بل تصل إلى مواجهات مسلحة لان جميع تلك الميليشيات مسلحة واجهزة خاصة بها ولا ريب ان هذا الصراع الأزلي منذ حضارات العراق القديمة ولحد يومنا هذا.
تلك الانتماءات أدت إلى ان يخرب تلك القوى صغيرة كانت في تلك الدمية الكبيرة ام كبيرة وتسوس أساس الكيان ويهدم بنيان وطنه و يفتته بيده بنيانه من البنية الداخلية من مطارات وحقول نفطية وأبنية وجسور وحتى مجمعات سكنية ومتاجر وكل ذلك باسم الدفاع عن الآخرين وجهات خارجية . هذه اللوحة السريالية لا توجد في اية دولة من دول العالم. يفتخر البعض في القنوات الفضائية وعلى منصات التواصل الاجتماعي من المسؤلين جهرا بانهم يهدمون بلدهم دفاعا عن الجار وبالوكالة كما كان النظام البعثي يدعي بانه يحارب ايران وكالة عن الأمة العربية ونيابة عنها ولكن اليوم بدوافع انتماء طائفي مع ذلك الجار هذا ما يحصل اليوم في توجيه افواه البنادق إلى الاقليم وتدمير الإنجازات والبنى التحتية وارهاب المواطنين.
الصراعات الحالية في المنطقة سيؤدي إلى ان تخسر دول المنطقة كل ما أنجزته خلال عقود من السلام من التطور الذي حصل وفي كافة المجالات وخسارة مسار التنمية والثروة الوطنية ناهيك عن فقدان دولها الاستقرار والوئام الاجتماعي . هؤلاء هم الخاسرون الوحيدون في هذا الحرب ومعهم ذلك الإنسان الشرقي المكافح. والذي يمثله اصغر دمية في ماتريوشكا.
الأيام القادمة حبلى بجميع أنواع المفاجآت ولمن ينتظر ويرى وان غد لناظره لقريب.
السويد
٢٠٢٦
* عبد الرزاق الحسنى، تاريخ الوزارات، الجزء الثالث ص ۲۸۸