ما بعد الأنفال: حين يعود الماضي بوجوه جديدة

أحمد زبير باني

ليست الإبادة حدثاً عابراً في سجل التاريخ، بل نظام تفكير متكامل؛ وإذا لم يُفكك هذا النظام، فإنه يعيد إنتاج نفسه بأشكال مختلفة. الخطر اليوم لا يكمن في تكرار “الأنفال” بصيغتها القديمة، بل في نسخ محدثة منها تتسلل عبر الإعلام، والقوانين، وسياسات التهميش الصامت.

بعد ثمانية وثلاثين عاماً، لا تزال رمال الصحراء في “نكرة السلمان” تخفي أنفاساً لم تكتمل لشعبٍ كاملٍ جرى استهدافه في واحدة من أكثر صفحات العنف دموية في تاريخ الشعب الكوردي. لم تكن الأنفال مجرد عملية عسكرية، بل مشروعاً لإعادة صياغة الجغرافيا عبر محو الإنسان نفسه.

الشوفينية: حين يتحول الفكر إلى تهديد وجودي

تكمن خطورة الأنفال اليوم في استمرار العقلية التي أنتجتها. فالشوفينية لا تعني مجرد التعصب، بل تمثل رؤية ترى في الآخر عبئاً يجب التخلص منه. في هذا السياق، لا يعود العنف انحرافاً، بل يصبح خياراً “مبرراً” داخل منطق مختل يختزل العالم إلى ثنائية: نحن أو هم.

مكننة العنف: الدولة حين تفترس مواطنيها

في الأنفال، لم يكن العنف عشوائياً، بل منظماً ومدروساً. تحولت المؤسسة العسكرية من أداة حماية إلى وسيلة قمع داخلي، تُنفذ عبرها سياسات قريبة من “الأرض المحروقة”، ولكن ضد السكان أنفسهم. ولم يكن استخدام السلاح الكيماوي مجرد وسيلة قتل، بل أداة لبث الرعب، وإلغاء أي إحساس بالأمان.

الدين واللغة: حين تُبرر الجريمة

إن إضفاء طابع ديني على الجريمة عبر تسميتها “الأنفال” يكشف كيف يمكن للخطاب أن يتحول إلى أداة شرعنة. فحين يُعاد تعريف العنف لغوياً وأخلاقياً، يصبح أكثر قابلية للقبول، بل وربما للتبرير.

الحاضر: الإبادة بصيغ ناعمة

اليوم، لم تختفِ تلك الذهنية، بل تغيّرت أدواتها. لم تعد الإبادة تُمارس بالضرورة عبر السلاح، بل قد تظهر من خلال قوانين إقصائية، أو خطاب إعلامي تحريضي، أو تهميش اقتصادي واجتماعي تدريجي. إنها إبادة بطيئة، لكنها لا تقل خطورة.

“هيهات”: الذاكرة كخط دفاع

لم تعد الذاكرة مجرد استذكار للمأساة، بل أصبحت أداة مقاومة. إن وعي الشعوب، وتوثيق الجرائم، والانفتاح العالمي، كلها عوامل تجعل من تكرار السيناريو ذاته أكثر صعوبة—لكنها لا تجعله مستحيلاً.

الخلاصة: التحذير لا الحنين

الأنفال ليست ذكرى للبكاء، بل تحذير للمستقبل. فمواجهة هذا النوع من الجرائم لا تكون فقط بإدانتها، بل بتفكيك الفكر الذي أنتجها. لأن الإبادة، في جوهرها، تبدأ فكرة… قبل أن تتحول إلى واقع.

وفي الوعي الكوردي، لم تعد الأنفال مجرد مأساة، بل مرجعاً دائماً لفهم كيف يمكن لفكرة أن تتحول إلى نظام إبادة، وكيف يمكن لذاكرة شعبٍ أن تتحول إلى خط دفاع ضد تكرار التاريخ

قد يعجبك ايضا