هل دم الفرنسي أرنو فريون أغلى من دماء العراقيين؟

شيخ آزاد شيخ حميد شفي

خلال حرب الأيام الأربعين، بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة،وايران من جهة أخرى، تباينت المواقف وتشظّت الاصطفافات، كلٌّ وفق حساباته ومصالحه ورؤيته لمآلات صراعٍ مفتوح لا يملك أحد تصورًا واضحًا لنهاياته.

وفي قلب هذا المشهد المضطرب، اختار الحزب الديمقراطي الكوردستاني موقفًا يتّسم بالعقلانية والاتزان، قائمًا على الحياد الإيجابي، بهدف إبعاد شبح الحرب عن إقليم كوردستان. ذلك الحياد لم يكن انكفاءً ولا انحيازًا مبطنًا، بل تعبيرًا عن مسؤولية سياسية تدرك أن الانخراط في صراعٍ كهذا لا يعني سوى فتح أبواب المجهول على شعبٍ أنهكته الحروب.

غير أنّ هذا الموقف لم يُقابل بالفهم، بل وُوجه بكمٍّ هائل من الخطاب الشوفيني المحمّل بالكراهية، تُرجم على أرض الواقع إلى هجمات متكررة استهدفت مؤسسات إقليم كوردستان العسكرية والاجتماعية والصناعية، في مشهدٍ يكشف عن نوايا مبيتة تتجاوز حدود الخلاف السياسي إلى منطق الاستهداف والانتقام.ولم تكن هذه الهجمات محدودة أو معزولة، بل بلغت خلال حرب الأربعين يومًا فقط أكثر من 703 هجومًا بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بمعدل يقارب 18 هجومًا يوميًا، تركزت غالبيتها على أربيل، في تصعيدٍ غير مسبوق من حيث الكثافة والخطورة.

ولم يقتصر هذا التصعيد على إقليم كوردستان فحسب، بل امتدّت الهجمات لتطال العاصمة بغداد بشكلٍ متكرر، عبر استهدافات بطائرات مسيّرة وصواريخ لمواقع حساسة، في مؤشرٍ واضح على أن دائرة الخطر لم تكن محصورة جغرافيًا، بل شملت عموم العراق، ما يجعل الضحايا عراقيين قبل أي توصيف آخر.

وفي الوقت الذي كانت فيه هذه الهجمات تتوالى، وقفت الحكومة العراقية موقف المتفرج، عاجزةً أو متقاعسة عن اتخاذ إجراءاتٍ رادعة تليق بحجم التهديد. صمتٌ ثقيل أثار الكثير من علامات الاستفهام، وترك البلاد أمام تصعيدٍ مفتوح.

لكن المفارقة الصادمة تجلّت حين قُتل الضابط الفرنسي أرنو فريون في هجوم بطائرة مسيّرة قرب أربيل بتاريخ 13 آذار 2026. عندها، سارع رئيس مجلس الوزراء، ، إلى التعهد بكشف الجناة وتقديمهم إلى العدالة في منتصف آذار 2026، ليُعلن لاحقًا في 8 نيسان 2026 عن إلقاء القبض على المتورطين في العملية.

هنا، يفرض السؤال نفسه بإلحاحٍ لا يقبل المواربة:هل دم أرنو فريون أغلى من دماء العراقيين؟

إن هذه السرعة في كشف المنفذين والقبض عليهم لا تدل إلا على امتلاك الدولة لأدوات استخبارية قادرة وفاعلة، لكنها في المقابل تفضح حالة الانتقائية في توظيف هذه القدرات، إذ ظلّت دماء العراقيين – في كوردستان وبغداد على حد سواء – تُسفك على مدى أسابيع، دون أن نشهد حزمًا مماثلًا أو إرادة حقيقية لوضع حدٍّ لهذا النزيف.

وأمام هذه الازدواجية، تتجلى المأساة بأبشع صورها في حادثة استشهاد أحد مقاتلي البيشمركة مع زوجته داخل منزلهما، نتيجة قصفٍ بطائرة مسيّرة، تاركين خلفهما طفلتين صغيرتين تواجهان قسوة الحياة بلا سند. تلك ليست حادثة عابرة، بل إدانة أخلاقية وسياسية صارخة، تكشف حجم الفجوة بين الخطاب والممارسة.

إن ما جرى لا يمكن تفسيره إلا بوصفه إهانةً صريحة للدم العراقي، ودليلًا على أن الحكومة، التي استطاعت أن تصل إلى الجناة في حادثة واحدة، كان بإمكانها – لو أرادت – أن تكشف قتلة أبناء شعبها. لكنها اختارت، في لحظاتٍ مفصلية، أن تكون شاهدةً لا فاعلة.

أما أبواق الشوفينية، فجديرٌ بها أن تعود إلى صفحات التاريخ، لتدرك أن الشعوب التي صمدت في وجه حملات الإبادة لن ترهبها طائرات مسيّرة. إن تاريخ الكورد حافل بقياداتٍ صنعت المجد، وفي مقدمتها البارزاني الخالد، الذي قاد انتفاضاتٍ وثوراتٍ في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي ضد قوى الاستعمار الكبرى. كما أنّ ثورة تبقى شاهدًا على رفض التقسيمات التي رُسمت بالقلم والمسطرة، حين قُسمت المنطقة وأُقيمت أنظمة حكم على مقاس المصالح الاستعمارية.

لقد واجه هذا الشعب حملات الأنفال، والقصف الكيميائي، وسياسات الإبادة، ولم ينكسر. فكيف يُراد له اليوم أن يهتزّ أمام هجماتٍ بطائرات مسيّرة تافهة؟

إن الإنجاز الحقيقي لا يُقاس بالقبض على مجموعةٍ استهدفت ضابطًا أجنبيًا، بل بكشف قتلة أبناء الوطن، وإنصاف الضحايا جميعًا دون تمييز. وعلى الحكومة أن تدرك أن العدالة، إن لم تكن شاملة، فإنها تتحول إلى أداةٍ فاقدةٍ للقيمة.

دماء العراقيين ليست هامشًا… ولن تكون.

قد يعجبك ايضا