د.حسام ممدوح
هل تدار الدولة العراقية بعقلية زارع الفجل…؟؟!!
يختلف منطق زارعي الفجل عن منطق زارعي النخيل وإن كان كلاهما يعمل في مجال واحد، فالأول خطته قصيرة قد لا تتجاوز الأسابيع يحصد محصوله ليبيعه بقيمة منخفضة.. وتنتهي الحكاية.
أما زارع النخيل فمنطقه مختلف، كونه يعمل على خطة بعيدة المدى قد تصل من (3 – 40 سنة)، والنخيل من حيث خصائصه قد يتزايد إنتاجه بطريقة تراكمية وبمراحل متعاقبة، لكنه في الوقت نفسه يحتاج لطول نفس وعناية خاصة تختلف عن غيره من النباتات والمحاصيل، كما في الاهتمام بنوع التربة أو كميات المياه التي يحتاجها لاسيما في مواسمه الأولى.
وبين الفجل والنخل بون شاسع ومسافة كبيرة، لاسيما إذا ما حاولنا إسقاطه على منطق إدارة الدول أو المشاريع، هذه المقارنة التي أثارها الشاعر العراقي محمد السيد محسن في البرنامج العراقي (شي منسي) أوجدت في ذهني أسئلة كثيرة وكبيرة عن الطريقة التي يتعامل بها من يدير الأمر في العراق، والتي في جزء كبير منها تشابه منطق زارع الفجل من حيث منطق إدارة الدولة، بدءًا من أصغر دائرة مسؤولية في العراق وانتهاءً بأعلى دائرة فيه.
فالخطط -إن وجدت- في العراق توضع بمعدل لا يتجاوز عمر الحكومة الواحدة، فتوظّف وتجنّد قدرات الدولة لتحقيق هذه الخطة بلا دراسات جدوى حقيقية وبعملية أشبه ما تكون مطابقة للمثل (أصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب)، بل أن جلّ الحكومات العراقية السابقة لم تسلّم مجلس النواب العراقي الميزانية الختامية لأعمالها.
وينتهي عمر الحكومة دون متابعة حقيقية لحجم ما أنجز من تلك المشاريع ومدى نجاح الحكومة في إنجاز ما وضعته من خطط لنفسها.
وليترتب على الحكومة القادمة تحمّل أعباء سابقاتها والبدء بخطة جديدة لزراعة الفجل..!!
وهكذا تراكمت على الدولة العراقية الديون، فيما لم تتمكّن إلى الآن من أعادة بناء البنى التحتية التي تحتاجها أي دولة، فالكهرباء والماء وحتى الطرق والجسور لازالت تعتمد على المشاريع التي أنجزت قبل عقود خلت من الزمن. وقس على ذلك.
أما القرارات الحكومية فكثيرًا ما تتم بإرتجالية كبيرة ودون حساب حقيقي لمعدلات المكاسب والخسائر.. ليكون على الدولة تحمّل تلك الأثمان التي باتت ضريبتها عالية جدًا.
هذا المنطق في إدارة الدولة دفع الكثير من المواطنين للعمل على الهجرة في محاولة للوصول إلى دولة حقيقية بسياقات واضحة، يفهمها الإنسان البسيط ويكون قادرًا على التعامل مع قوانينها لا العيش في ظل نظام غير مفهوم المعالم بسياقات متقلبة لا يحكمها قانون واضح.
وبحساب ما تمتلكه تلك الدول من موارد سنكتشف أن العراق قد يملك أضعاف ما تمتلكه نظيراته من الدول الأخرى، إذن أين العلّة؟
العلّة في عدم وجود إدارة واعية للموارد في العراق..
لا فقر البلاد للموارد التي يحتاجها مواطنيها.