فرهاد حبش
باحث سياسي و مختص في العلاقات الدولية
إن الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران لم تعد تُقرأ فقط في إطار المواجهة العسكرية بين هذه الأطراف، بل باتت تُفهم على أنها صراع يمسّ قلب الاقتصاد العالمي وإعادة تشكيل موازين العلاقات بين الدول الإقليمية والدولية. فالصراع الدائر قد يتحول من انهيار نظام دولة إلى اضطراب شديد في الضوابط والقواعد الاقتصادية العالمية، أو صراع حضاري ديني كما يسميه الفيلسوف الروسي ألكسندر دوغين، لذلك فالمسألة، تهديد إغلاق مضيق هرمز، ليست تهديدًا احترازيًا بالنسبة لإيران فقط، بل تكمن أهميته كشريان حيوي تمر عبره نسبة كبيرة من إمدادات الطاقة العالمية من النفط، ما يقارب 20% من الاستهلاك العالمي و25% من الغاز الطبيعي عالميًا، وتعتمد عليه آسيا بشكل عام، والصين بشكل خاص، التي ستتأثر بنسبة كبيرة من قطع الطاقة إليها. لذلك فإن تأثير إغلاق المضيق سيتسع ليشمل أمورًا أكثر حساسية وخطورة، مثل كابلات الإنترنت البحرية، وشبكات التمويل الدولية، وحتى القواعد العسكرية المنتشرة في المنطقة، التي تشكل تهديدًا للبنى التحتية لهذه الدول التي توجد فيها القواعد، وتوسيع دائرة الصراع إلى صراع إقليمي. لذلك، كلها تشكل سلسلة مترابطة ومتشابكة ببعضها، قد يؤدي إلى أن تتجاوز حدود الشرق الأوسط لتصل إلى انهيار مصالح الدول خارج أطراف الحرب.
لذلك تصبح أهمية المضائق، وبالخصوص هرمز، عنوانًا لأزمة أعمق، إذ إن أي تعطيل لحركة النفط لا يعني فقط ارتفاع الأسعار، بل قد يؤدي إلى شلل اقتصادي في دول تعتمد بشكل كبير على الطاقة القادمة من الخليج، خصوصًا في شرق آسيا وأوروبا، ما يخلق سلسلة من الأزمات المتتالية في الإنتاج والتصنيع والتجارة. غير أن الخطر الأكبر يكمن في البنية التحتية، والمتمثلة في خطوط الإنترنت التي تمر عبر قاع البحار، والتي تنقل يوميًا مليارات البيانات المرتبطة بالتحويلات المالية والتداولات المصرفية وأسواق الأسهم، بحيث إن أي استهداف أو تعطيل لهذه الشبكة قد يؤدي إلى شلل شبه كامل في النظام المالي العالمي، ويضع البنوك والمصارف أمام أزمة غير مستقرة.
ومع وجود قواعد عسكرية أمريكية منتشرة في المنطقة، فإن سيناريوهات التصعيد لا تتوقف عند حدود الدفاع فقط، بل قد تتحول هذه القواعد إلى نقاط اشتباك، ما يفتح الباب أمام مواجهة واسعة لا يمكن السيطرة على تداعياتها الكبيرة بسهولة. وهنا يبرز السؤال الأكثر أهمية: إذا استمر هذا السيناريو، فمن سيتحمل كلفة الحرب؟ وهل تستطيع الولايات المتحدة، رغم قوتها الاقتصادية، تمويل حرب طويلة في ظل الضغوط الداخلية والتضخم الاقتصادي، والحرب الأوكرانية الروسية شاهدًا على ذلك بالنسبة لتأثيرها الاقتصادي وارتفاع التضخم في أمريكا لدعمها لحرب مفتوحة، رغم قوة الاقتصاد الأمريكي؟ لذلك قد يدفع العالم بأسره الثمن من خلال اهتزاز النظام المالي وتراجع الاستقرار الاقتصادي.
إن ما يظهر في مشهد النظام الإقليمي ليس مجرد صراع جيوبوليتيك، بل احتمال دخول العالم في أزمة اقتصادية غير مستقرة تبدأ من تعطيل إمدادات الطاقة، وتمر بانهيار جزئي في الأنظمة المالية، ولا تنتهي إلا بإعادة تشكيل موازين القوى الاقتصادية على مستوى العالم. وفي ظل هذه التحولات، لم يعد السؤال من سيربح الحرب، بل ما إذا كان النظام الدولي الحالي قادرًا على تحمل صدمة بهذا التأثير، أم أننا أمام محطة مفصلية قد تعيد رسم الخريطة الإقليمية متأثرة بالاقتصاد العالمي لعقود قادمة، أو أمام مرحلة لبداية صراع ديني كبير في المنطقة تنفيذًا للمشاريع المتداولة، أو سنشهد توسيع دائرة الحرب لتتحول إلى صراع حضارات بين الغرب والشرق، كما يحللها العالم الأمريكي صموئيل هنتنغتون إذ يرى بأن بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة تحوّل الصراع من صراع أيديولوجي إلى صراع حضاري أساسه الدين، القيم والمبادئ المرتبطة بالعادات والتقاليد الشعوب.