فارس نەورۆڵی
لا أظن أن ثمة حزبًا أو شخصية سياسية، لدى أي شعب يواجه حربًا أو تهديدًا خارجيًا، تنشغل—بدلًا من التكاتف—باستفزاز الآخرين؛ بحيث تُوجَّه لغتها الإعلامية وسلوكها على نحو دائم لإثارة الغضب واستفزاز مشاعر الأطراف الأخرى أو الخصوم.
إن مثل هذه الأطراف أو الأحزاب، حين تنغمس في الاستفزاز في أوقات الأزمات، فإنها—شاءت أم أبت—تخدم أعداء الوطن. وفي المقابل، فإن الرد على الاستفزاز بالأسلوب ذاته لا يُعد سلوكًا إيجابيًا، بل هو انحدار إلى مستوى الفوضى والصَّغار الذي يعكسه هذا النهج؛ إذ إن الاستفزاز المتبادل داخليًا، في زمن الحروب والأزمات، لا يفضي إلا إلى مزيد من تفكك العلاقات الاجتماعية والسياسية.
للأسف، في وقتٍ يحتاج فيه إقليم كردستان إلى خطاب موحَّد، وتماسكٍ سياسي واجتماعي وفكري، لا يزال بعض الأحزاب والأشخاص—ممن يفتقرون إلى الوعي أو الإخلاص الوطني—عالِقين في دائرة الاستفزاز والعداء الداخلي. ولا يُدرى أ意تم توجيههم، أم أن قدرتهم على التفكير لا تتجاوز هذا المستوى.
ألم تكفِ دروس التاريخ، بما حملته من هزائم في محطات عديدة، نتيجة لهذه الاستفزازات الداخلية؟ إن ما نشهده اليوم من تناحر واستفزاز متبادل يمثل نقطة ضعف للكرد، ويفتح في الوقت نفسه أبوابًا واسعة أمام الأعداء لاستغلالها ضدهم.
وإذا استمر هذا الوعي القاصر، وتحول الاستفزاز إلى سلاحٍ بأيدينا لإشاعة الفوضى وبث المشاعر السلبية، فليس مستبعدًا أن يتجه الإقليم نحو مزيد من التفكك؛ ولن يقتصر الأثر على إضعاف العملية السياسية فحسب، بل سيمتد إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
ولا يقتصر هذا الخطاب الاستفزازي على إقليم كردستان فحسب، بل يمتد إلى عموم العراق؛ حيث يتواصل الاستفزاز الطائفي والديني والقومي بين مختلف المكونات، وهو ما يُعد أحد أبرز أسباب غياب الاستقرار السياسي والاجتماعي. فحين يسود خطاب الاستفزاز، يتراجع خطاب العقل.
ومع ذلك، لا تزال هناك فرصة للعودة إلى الوعي الوطني والمدني، بحيث تستعيد لغة العقل حضورها في الخطاب السياسي والاجتماعي، على مستوى العراق وإقليم كردستان. وإلا، فإذا أصبح الاستفزاز هو اللغة السائدة، فإن الوطن سيكون—لا محالة—هو الضحية.