محمد علي محيي الدين
في أزقة بغداد القديمة، حيث تتعانق المآذن مع ذاكرة القرون، ويمضي الزمن حاملاً بين طياته آثار العلماء والفقهاء والأدباء، نشأ رجل كرّس حياته لحراسة ذلك الإرث الثقافي من الضياع. كان إبراهيم عبد الغني الدروبي واحدًا من أولئك الرجال الذين لم يطلبوا شهرة، بل انشغلوا بصمتٍ بإنقاذ صفحات الماضي، فغدا اسمه مرتبطًا بالمخطوطات البغدادية وتاريخ الأسر والرجال الذين صنعوا ملامح المدينة في أواخر العهد العثماني ومطلع العصر الحديث.
وُلد الدروبي في بغداد في محلة الصدرية بمنطقة باب الشيخ سنة 1894م، في بيئة شعبية عامرة بروح العلم والتدين، حيث كانت المساجد والزوايا مدارس مفتوحة لطلاب المعرفة. هناك تفتحت مداركه الأولى، وتلقى علومه في حلقات الدرس المنتشرة في مساجد بغداد، فدرس الفقه والتفسير وأدب العربية على عدد من شيوخ المدينة، حتى نال الإجازة العلمية من بعضهم تقديرًا لما أتقنه من علوم ومعارف. كانت تلك البيئة العلمية التقليدية هي التي صاغت شخصيته، وربطته منذ وقت مبكر بالتراث المخطوط، بوصفه الوعاء الحافظ لذاكرة الأمة.
عمل الدروبي في المحاكم الشرعية ببغداد كاتبًا في سلك القضاء، وكان في عمله مثالًا للدقة والنزاهة، فحاز مكانة مرموقة بين أقرانه. غير أن شغفه الحقيقي لم يكن في الوظيفة وحدها، بل في عالم المخطوطات، ذلك العالم الذي استحوذ على قلبه وعقله. تعلّم فن الخط العربي حتى أصبح خطاطًا بارعًا، ثم انصرف إلى استنساخ الكتب القديمة وإعادة كتابتها بخطه، وكأنه يعيد الحياة إلى نصوص كادت تندثر بفعل الزمن. وقد بلغ ما نسخه بخطه أكثر من ثلاثمئة وستين مخطوطة، وهو جهد ضخم حفظ بفضله عددًا غير قليل من الكتب التي ربما ضاعت أصولها لو لم تمتد إليها يده.
ولم يكن عمله في الاستنساخ مجرد حرفة، بل كان رسالة ثقافية. فقد قصدَه كبار العلماء والباحثين ليكتب لهم المخطوطات بخطه، ومن بينهم السيد محمود شكري الآلوسي، والمؤرخ عباس العزاوي، والأب أنستاس الكرملي، وغيرهم من أعلام الفكر العراقي في النصف الأول من القرن العشرين. وهكذا أصبح الدروبي حلقة وصل بين المخطوطات القديمة وبين الباحثين الذين اشتغلوا بإحياء التراث، فكان دوره خفيًا لكنه بالغ الأثر في حركة البحث التاريخي والثقافي.
وإلى جانب عمله في نسخ المخطوطات، انصرف الدروبي إلى التأليف والبحث، مدفوعًا بحبه لبغداد وتاريخها الاجتماعي. فقد كتب في الصحف والمجلات، وجمع أخبار المدينة وأهلها، وسجل مجالسها وأعلامها، فكان بذلك شاهدًا على حياة بغداد الثقافية والاجتماعية في زمن التحولات الكبرى. وقد عدّه المؤرخ عماد عبد السلام رؤوف من أهم المؤرخين العراقيين المتأخرين، وأوسعهم معرفة بتاريخ الأسر البغدادية في أواخر العهد العثماني، بينما رأى الباحث جمال الدين فالح الكيلاني أنه من أبرز من كتب في الدراسات القادرية في مطلع القرن العشرين.
ومن آثاره المطبوعة كتابه المعروف «الباز الأشهب في حياة الشيخ عبد القادر الجيلاني» الذي صدر سنة 1955، وهو عمل يتناول سيرة الشيخ عبد القادر الجيلاني وتاريخه الروحي، كما ألّف كتاب «المختصر في تاريخ شيخ الإسلام عبد القادر الجيلاني وأولاده»، وكتاب «البغداديون أخبارهم ومجالسهم» الذي طُبع في بغداد سنة 1958، وفيه سجل حيّ لطبقات المجتمع البغدادي ومجالسه وأخباره. كما وضع مؤلفات أخرى تناولت شخصيات المدينة ومؤسساتها، مثل كتب «وزراء بغداد» و«نساء بغداد» و«قضاة بغداد» و«تاريخ نقباء بغداد في العهد العثماني»، وهي جميعها تشهد على اهتمامه بتوثيق الحياة البغدادية في مختلف وجوهها.
كان الدروبي أيضًا رجل مجلس، يحب اللقاء بالناس وتبادل الحديث معهم، وهو ما أتاح له جمع كثير من الروايات الشفوية والذكريات التي تحولت فيما بعد إلى مادة تاريخية في كتاباته. وقد امتزج في شخصيته المؤرخ والناسخ والراوي، فكان يجمع بين أمانة النقل ودقة الخط وحرص المؤرخ على تسجيل التفاصيل الصغيرة التي تشكل في مجموعها صورة الزمن.
ظل إبراهيم الدروبي وفيًا لمدينته حتى آخر أيامه. وفي ليلة الثلاثاء الثاني من تشرين الثاني سنة 1959م، أسدل الموت الستار على حياة رجل قضى عمره في خدمة التراث. ووري الثرى في مقبرة الغزالي ببغداد، المدينة التي أحبها وكتب تاريخ أهلها، وترك فيها آثارًا باقية في الكتب والمخطوطات.
وهكذا بقي اسمه مرتبطًا بذاكرة بغداد الثقافية، لا بوصفه مجرد ناسخ للمخطوطات، بل حارسًا أمينًا لذاكرة مدينة عريقة، حفظ صفحات من تاريخها من أن تتبدد في غبار السنين.