صمت السياسة المتقلّب

د ابراهيم احمد سمو

خلف الستار، تتشكّل معادلة معقّدة، أقرب ما تكون إلى مثلثٍ متناقض الأضلاع؛ تارةً يبدو أحد أضلاعه أطول من الآخر، وتارةً أقصر، وأحيانًا يكاد يتلاشى من شدّة الغموض. ومع ذلك، تبقى نقطة الارتكاز ثابتة لا تتغيّر، كأنها مركز ثقلٍ خفيّ يحفظ توازن المشهد رغم اضطرابه.

يخيّم على هذه الصورة صمتٌ ثقيل، صمتٌ لا يخلو من التناقض. ففي بعض تجلياته، يبدو هذا الصمت أشبه بقرع طبول الفرح، ترقّبًا لما هو قادم، رغم أن ملامح هذا القادم لا تزال ضبابية، بل وربما مقلقة. إنّه صمتٌ يحمل في طيّاته توتّرًا مكتومًا، وتوقّعات متضاربة، بين أملٍ حذر وخشيةٍ مشروعة.

في زمنٍ بات فيه القرار، في كثير من الأحيان، خارج نطاق السيطرة، يتوسّع هذا الصمت ويمتدّ على طول الخطوط المحاذية للأحداث. الجميع يقف في حالة ترقّب، كأنهم على حافة انتظارٍ طويل، يراقبون إشاراتٍ أوليّة بدأت تتسرّب عبر وسائل الإعلام. صمتٌ يبدو، في ظاهره، محايدًا؛ لا ينحاز إلى طرفٍ دون آخر، وكأنّ الحدود نفسها اختارت أن تلتزم الحياد.

غير أنّ هذا الحياد المعلن يخفي في عمقه تحوّلاتٍ جذرية؛ انقلابًا في المواقف، وتبدّلًا في الأولويات، بل ونكرانًا لما كان يُعدّ يومًا من الثوابت أو من المسلّمات الجميلة. فالمواقف لم تعد تُبنى على المبادئ بقدر ما تُصاغ وفق حساباتٍ آنية، تتغيّر بتغيّر المصالح والضغوط.

لم يعد المشهد مقتصرًا على تسارع الأحداث فحسب، بل تجاوز ذلك إلى حالة من ضيق الأفق السياسي، تفتقر إلى الحكمة والتوازن. وفي قلب هذه المعادلة، يبرز ما يمكن تسميته بـ( المثلث الصعب) ؛حيث تتقاطع المصالح وتتضارب الأجندات، دون أن يكون لنا فيه دورٌ مباشر أو حتى غير مباشر. نحن، ببساطة، خارج حدود هذا الصراع، وخارج دائرة هذا الشر، ومع ذلك لا ننجو من تبعاته.

هذا الصمت المتنامي لا يقتصر أثره على الغموض، بل يساهم في توسيع رقعة الرفض، دون أن يقابله ردّ واضح أو موقف حاسم. وكأنّ الرد مؤجّل إلى وقتٍ آخر، يومٍ قد يكون أكثر تعقيدًا في فهم معادلاته وتشابكاته. في هذا السياق، تتعرّض الأطراف المختلفة لضرباتٍ متتالية، من جهاتٍ متعدّدة؛ من الشرق والغرب، ومن المناطق المتاخمة، في مشهدٍ يختلط فيه الحق بالباطل، وتُبرَّر فيه الأفعال المتناقضة.

أصبح الاعتداء على طرفٍ ما مقبولًا في نظر البعض، كما أصبح ردّ الطرف الآخر مبرّرًا كذلك، بل إنّ التصعيد المشترك يجد لنفسه ذرائع تُسوّقه، رغم افتقارها للإقناع. وهكذا، تتكرّس حالة من الفوضى التي تذيب الفوارق بين المعتدي والمدافع، وتُربك المشهد إلى حدٍّ يصعب معه تمييز الاتجاهات.

في خضمّ هذه الفوضى، ترتفع أصوات الهتافات، أحيانًا ضدّنا، بل ويتجاوز الأمر حدود الشعارات إلى استهدافٍ مباشر، يصل إلى حدّ القصف شبه اليومي. لم تعد المسألة مجرّد مواقف سياسية، بل تحوّلت إلى واقعٍ أمنيّ ضاغط، يفرض نفسه على تفاصيل الحياة اليومية.

لقد بلغت هذه المعادلة درجة عالية من التعقيد، لدرجة أنّ من كان بالأمس في مأمنٍ بيننا، لم يعد كذلك اليوم. ومن كانوا شركاء في مسيرة النضال والحرية، تحوّل بعضهم إلى خصوم، لا استنادًا إلى مبرّراتٍ واضحة، بل نتيجة استراتيجياتٍ تعود بجذورها إلى بدايات الرفض الأولى، حيث تتقدّم الحسابات الضيّقة على القيم المشتركة.

إنّها حربٌ تتوقّف لتعود من جديد، في دوراتٍ متكرّرة من التصعيد والهدوء المؤقّت. تحمل في طيّاتها خسائر هنا وهناك، لكنّ الحقيقة الثابتة تبقى أنّ الشعب باقٍ، والأرض راسخة، والتاريخ شاهدٌ لا يمكن طمسه أو إنكاره. فمهما اختلفت الظروف، ومهما تفرّقنا أو اجتمعنا، سيأتي يومٌ تُعاد فيه الحقوق إلى أصحابها.

ورغم هذا الواقع القاسي، يبقى الأمل قائمًا في أن تجد هذه الأزمات طريقها إلى الحلّ عبر الحوار، لا عبر التصعيد. فالحوار، مهما بدا صعبًا، يظلّ أقلّ كلفة من استمرار النزاع، وأكثر قدرة على حفظ ما تبقّى من روابط إنسانية وسياسية.

كما أنّ من الضروري ألّا يُنسى المعروف، وألّا تُمحى من الذاكرة سنوات الأمان والضيافة التي قُدّمت بصدقٍ وشرف. فالتاريخ لا يُكتب فقط بالحروب، بل أيضًا بالمواقف النبيلة التي تظلّ شاهدة على أخلاق الشعوب.

إنّ القلق الحقيقي لا يكمن فقط في الحاضر، بل في احتمال أن يأتي يوم نندم فيه على صفةٍ طالما تميّزنا بها، وهي الكرم والوفاء. تلك القيم التي شكّلت جزءًا أصيلًا من هوية الكورد، وكانت دائمًا مصدر فخرٍ واعتزاز.

لذلك، مهما اشتدّت الأزمات وتعقّدت الظروف، يجب أن تبقى هذه القيم ثابتة لا تتزعزع. فهي ليست مجرّد صفاتٍ عابرة، بل جوهر وجودٍ وهوية، وركيزة أخلاقية لا ينبغي التفريط بها تحت أيّ ظرف.

في نهاية المطاف، قد تتغيّر التحالفات، وتتبدّل المواقف، وتتقلّب السياسات، لكن ما يبقى هو ما نحمله من قيم، وما نرسّخه من مبادئ. وبين صمتٍ يخيّم، وضجيجٍ يتصاعد، تبقى الحقيقة الأهم أنّ الشعوب التي تتمسّك بأخلاقها، قادرة دائمًا على تجاوز المحن، مهما طال أمدها.

قد يعجبك ايضا