الإنسان موقف ومبدأ

ياسين الحديدي

كتب الدكتور كاظم المقدادي، الشخصية الإعلامية المعروفة، على صفحته عام 2022 خلاصةً لتجربته الطويلة في الإعلام والصحافة. وهو كاتب متخصص في المقالات، ومحلل ومتابع للأحداث، يتميز قلمه بالجرأة والاستقلال الفكري والثقافي، فلا سلطة على رسالته أو فكره. وعندما يكون الإنسان حرًّا في ذاته، غير مُملَى عليه، تأتي كلماته صادقة، ناقدة بهدف التصحيح لا التجريح؛ فيختار البناء لا الهدم.

إن سلطان الكلمة يكمن في قوتها، وقوتها تنبع من الحق والتجرد من الالتزامات المقيدة للغير. فهو الحر الطليق، المدافع عن الوطن، الذي وُجد من أجله، وسخّر قلمه له لا للولاءات الضيقة. يمشي شامخًا لأنه عفيف النفس والكلمة، يعيش سالمًا، ويُذكر بالقول الحسن. هذا ما تعلّمه من الحياة ومن تجربته الإعلامية في الداخل والخارج؛ فهو خُلق للتعمير لا للتدمير.

ويقول:

“إقامتي الطويلة في باريس سمحت لي أن ألتقي بكبار المثقفين: لويس أراغون، جاك بيرك، أدونيس، عبد الوهاب البياتي، محمود درويش، عبد الرحمن منيف، عزيز الحاج، عبد المعطي حجازي، غالي شكري، أمير إسكندر، والرسام الرائع جورج بهجوري.

لكن من بين هؤلاء جميعًا، كان الأقرب إلى قلبي وعقلي الأديب المصري الكبير محمود أمين العالم. لقد أدهشني بثقافته وسلوكه وتواضعه، وازداد إعجابي به بعد أن قرأت كتابه المهم “الإنسان موقف”.

هذا الكتاب العزيز على نفسي غيّر الكثير من قناعاتي بشأن معظم المثقفين العراقيين والعرب، ورسم لي طريق النجاة من الوقوع في فخ التزلّف والنفاق والغرور وركوب الموجة وتمجيد السلطة، تمامًا كما فعل من قبله كتاب الدكتور علي الوردي “وعاظ السلاطين”.

لقد تعلمت من محمود أمين العالم أن الثابت هو ما تؤمن به طواعية، سرًا وعلانية، في ظل قراءة واعية ضمن منظومة معرفية راسخة. أما المتحوّل فهو أن تجعل من نفسك وعقلك ومستقبلك مشروع اجتهادات متذبذبة، وقراءات خاطئة، مرهونة لأهواء المتنفذين، وخاضعة لسطوة المتسلطين، وأن توظف نتاجك الفكري في خدمة رموز السلطة ورجال الأعمال، مع ما يصاحب ذلك من مديح وتزلّف وتلوّن وابتذال.

أعلم أن هناك من يسعى لتسريب الأخبار، ويوظف الأقرباء والأصدقاء وحتى ضعاف النفوس، من أجل نيل جوائز عربية ودولية، مادية ومعنوية، والحصول على شهادات فخرية.

تبًا للجوائز التي تأتيك توسّلًا وقهرًا، ولا تأتيك استحقاقًا وطواعية. وتبًا للمثقف والإعلامي المرتزق الذي يسعى وراء المال والشهرة، متنقّلًا بين الفضائيات والمنتديات، كما لو كان يتسوّل الأضواء.

شكرًا لمعلمي وملهمي الكبير، أستاذي الجليل محمود أمين العالم، لأنك علمتني قول الحق دون خشية أو مواربة، وألا أزاحم الآخرين بالمناكب، ولا أركض خلف الغنائم والمناصب.”

قد يعجبك ايضا